والثالث: قال أبو مسلم: معنى يلقون أقلامهم مما كانت الأمم تفعله من المساهمة عند التنازع فيطرحون منها ما يكتبون عليها أسماءهم فمن خرج له السهم سلم له الأمر ، وقد قال الله تعالى: {فساهم فَكَانَ مِنَ المدحضين} [ الصافات: 141 ] وهو شبيه بأمر القداح التي تتقاسم بها العرب لحم الجزور ، وإنما سميت هذه السهام أقلامًا لأنها تقلم وتبرى ، وكل ما قطعت منه شيئًا بعد شيء فقد قلمته ، ولهذا السبب يسمى ما يكتب به قلمًا.
قال القاضي: وقوع لفظ القلم على هذه الأشياء وإن كان صحيحًا نظرًا إلى أصل الاشتقاق ، إلا أن العرف أوجب اختصاص القلم بهذا الذي يكتب به ، فوجب حمل لفظ القلم عليه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 40 ـ 41}
قلت: كان معلومًا عندهم علمًا يقينًا أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي ، فلم يبق إلا المشاهدة وهي في غاية الاستبعاد والاستحالة ، فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم بأنه لا سماع له ولا قراءة. ونحوه { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربى } [ القصص: 44 ] ، { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور } [ القصص: 46 ] ، { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ } [ يوسف: 102 ] . أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 390}
قال الفخر:
ظاهر الآية يدل على أنهم كانوا يلقون أقلامهم في شيء على وجه يظهر به امتياز بعضهم عن البعض في استحقاق ذلك المطلوب ، وإما ليس فيه دلالة على كيفية ذلك الإلقاء ، إلا أنه روي في الخبر أنهم كانوا يلقونها في الماء بشرط أن من جرى قلمه على خلاف جري الماء فاليد له ، ثم إنه حصل هذا المعنى لزكريا عليه السلام ، فلا جرم صار هو أولى بكفالتها والله أعلم. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 41}