قوله تعالى { إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) }
قال البقاعى:
ولما كان أصل الإبداء نورًا عليًا نزله الحق سبحانه وتعالى في رتب التطوير والتصيير والجعل إلى أن بدأ عالمًا دنياويًا محتويًا على الأركان الأربعة والمواليد الثلاثة ، وخفيت نورانيته في موجود أصنافه صفي الله سبحانه وتعالى من وجود كلية ذلك هذا الخلق الآدمي فكان صفي الله ، فأنبأ الخطاب عن تصييره إلى الصفاء بالافتعال ؛ انتهى - فقال سبحانه وتعالى: {إن الله} أي بجلاله وعظمته وكماله في إحاطته وقدرته {اصطفى} أي للعلم والرسالة عنه سبحانه وتعالى إلى خلقه والخلافة له في ملكه {آدم} أباكم الأول الذي لا تشكون في أنه خلقه من تراب ، وهو تنبيه لمن غلط في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام على أن أعظم ما استغربوا من عيسى كونه من غير ذكر ، وآدم أغرب حالًا منه بأنه ليس من ذكر ولا أنثى ولا من جنس الأحياء - كما سيأتي ذلك صريحًا بعد هذا التلويح لذي الفهم الصحيح.
قال الحرالي: فاصفطاه من كلية مخلوقه الذي أبداه ملكًا وملكوتًا خلقًا وأمرًا ، وأجرى اسمه من أظهر ظاهره الأرضي وأدنى أدناه ، فسماه آدم من أديم الأرض ، على صيغة أفعل ، التي هي نهاية كمال الآدمية والأديمية.