سؤال: فإن قلت: كيف جعل هذا القول آية من ربه ؟
قلت لأنّ الله تعالى جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل ، حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال. ويجوز أن يكون تكريرًا لقوله: { جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم ، من خلق الطير ، والإبراء ، والإحياء ، والإنباء بالخفايا ، وبغيره من ولادتي بغير أب ، ومن كلامي في المهد ، ومن سائر ذلك. أ هـ {الكشاف حـ 1 صـ 392 ـ 393}
قال رحمه الله:
{ ومصدّقًا } حال من ضمير المقدّر معه ، وليس عطفًا على قوله: { ورسولا } [ آل عمران: 49 ] لأنّ رسولًا من كلام الملائكة ، { ومصدقًا } من كلام عيسى بدليل قوله: { لما بين يدي } .
والمصدّق: المخبر بصِدق غيره ، وأدخلت اللام على المفعول للتقوية ، للدلالة على تصديقٍ مُثبت محقّق ، أي مصدّقًا تصديقًا لا يشوبُه شك ولا نِسبةٌ إلى خطأ.
وجَعْل التصديق متعديًا إلى التوراة تَوْطئة لقوله: { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } .
ومعنى ما بين يديّ ما تقدم قبلي ، لأنّ المتقدّم السابق يمشي بين يدي الجائي فهو هنا تمثيل لحالة السبق ، وإن كان بينه وبين نزول التوراة أزمنة طويلة ، لأنّها لما اتّصل العمل بها إلى مَجيئه ، فكأنها لم تسبقه بزمن طويل.
ويستعمل بين يديْ كذا فِي معنى المشاهَد الحاضر ، كما تقدم في قوله تعالى: يعلم ما بين أيديهم في سورة البقرة.
وعَطْف قوله ولأحِلّ على { رسولًا } وما بعده من الأحوال: لأنّ الحال تشبه العلة ؛ إذ هي قيد لعاملها ، فإذا كان التقييد على معنى التعليل شابَه المفعولَ لأجله ، وشابَه الجرور بلام التعليل ، فصح أن يُعطف عليها مجرورٌ بلام التعليل.
ويجوز أن يكون عطفًا على قوله: { بآية من ربكم } فيتعلّق بفعللِ جئتكم.
وعقب به قوله: { مصدّقًا لما بين يديّ } تنبيهًا على أنّ النسخ لا ينافي التصديق ؛ لأنّ النسخ إعلام بتغيُّر الحكم.