قال البقاعى:
ولما أرشد السياق إلى أن التقدير: فلقد كنتم تقولون: لئن خرجت بنا ليبتلين الله بلاء حسناً ، عطف عليه قوله: {ولقد} ويجوز أن يكون حالاً من فاعل {حسبتم} {كنتم تمنون الموت} أي الحرب ، عبر عنها به لأنها سببه ، ولقد تمنى بعضهم الموت نفسه بتمني الشهادة {من قبل أن تلقوه} أي رغبة فيما أعد الله للشهداء {فقد رأيتموه} أي برؤية قتل إخوانكم ، والضمير يصلح أن يكون للموت المعبر به عن الحرب ، وللموت نفسه برؤية أسبابه القريبة ، وقوله: {وأنتم تنظرون} بمعنى رؤية العين ، فهو تحقيق لإرادة الحقيقة. أ هـ {نظم الدرر حـ 2 صـ 161}
قال القرطبى:
قوله تعالى: { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت } أي الشهادة من قبل أن تلقوه.
وقرأ الأعمش { مِنْ قَبْلِ أَنْ تُلاَقُوهُ } أي من قبل القتل.
وقيل: من قبل أن تلقوا أسباب الموت ؛ وذلك أن كثيراً ممن لم يحضروا بدراً كانوا يتَمنَّون يوماً يكون فيه قِتال ، فلما كان يوم أُحُد انهزموا ، وكان منهم من تجلّد حتى قُتل ، ومنهم أنس بن النضر عم أنس بن مالك ، فإنه قال لما انكشف المسلمون: اللّهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ، وباشر القتال وقال: إِيْهاً إنها ريح الجنةا إني لأجدها ، ومضى حتى استشهد.
قال أنس: فما عرفناه إلا ببنانه ووجدنا فيه بِضعاً وثمانين جراحة.
وفيه وفي أمثاله نزل { رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ } [ الأحزاب: 23 ] .
فالآية عِتاب في حق من انهزم ، لا سِيّما وكان منهم حَمْلٌ للنبيّ صلى الله عليه وسلم على الخروج من المدينة ، وسيأتي.