فهرس الكتاب

الصفحة 1212 من 12199

المسألة الثانية: اتفق علماء البيان على أن هذه الآية في الإيجاز مع جمع المعاني باللغة بالغة إلى أعلى الدرجات ، وذلك لأن العرب عبروا عن هذا المعنى بألفاظ كثير ، كقولهم: قتل البعض إحياء للجميع ، وقول آخرين: أكثروا القتل ليقل القتل ، وأجود الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب قولهم: القتل أنفى للقتل ، ثم إن لفظ القرآن أفصح من هذا ، وبيان التفاوت من وجوه: أحدها: أن قوله: {وَلَكُمْ فِي القصاص حياة} أخصر من الكل ، لأن قوله: {وَلَكُمْ} لا يدخل في هذا الباب ، إذ لا بد في الجميع من تقدير ذلك ، لأن قول القائل: قتل البعض إحياء للجميع لا بد فيه من تقدير مثله ، وكذلك في قولهم: القتل أنفى للقتل فإذا تأملت علمت أن قوله: {فِي القصاص حياة} أشد اختصارًا من قولهم: القتل أنفى للقتل وثانيها: أن قولهم: القتل أنفى للقتل ظاهرة يقتضي كون الشيء سببًا لانتفاء نفسه وهو محال ، وقوله: {فِي القصاص حياة} ليس كذلك ، لأن المذكور هو نوع من القتل وهو القصاص ، ثم ما جعله سببًا لمطلق الحياة لأنه ذكر الحياة منكرة ، بل جعله سببًا لنوع من أنواع الحياة وثالثها: أن قولهم القتل أنفى للقتل ، فيه تكرار للفظ القتل وليس قوله: {فِي القصاص حياة} كذلك ورابعها: أن قول القائل: القتل أنفى للقتل.

لا يفيد إلا الردع عن القتل ، وقوله: {فِي القصاص حياة} يفيد الردع عن القتل وعن الجرح وغيرهما فهو أجمع للفوائد وخامسها: أن نفي القتل مطلوب تبعًا من حيث إنه يتضمن حصول الحياة ، وأما الآية فإنها دالة على حصول الحياة وهو مقصود أصلي ، فكان هذا أولى وسادسها: أن القتل ظلمًا قتل ، مع أنه لا يكون نافيًا للقتل بل هو سبب لزيادة القتل ، إنما النافي لوقوع القتل هو القتل المخصوص وهو القصاص ، فظاهر قولهم باطل ، أما الآية فهي صحيحة ظاهرًا وتقديرًا ، فظهر التفاوت بين الآية وبين كلام العرب. أ هـ {مفاتيح الغيب جـ 5 صـ 49}

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت