فهرس الكتاب

الصفحة 1288 من 12199

{لعلكم تتقون} أي تجعلون بينكم وبين إسخاط الله وقاية بالمسارعة إليه والمواظبة عليه رجاء لرضى ربكم وخوفًا ممن سبق من قبلكم ، لتكون التقوى لكم صفة راسخة فتكونوا ممن جعلت الكتاب هدى لهم ، فإن الصوم يكسر الشهوة فيقمع الهوى فيروع عن موافقة السوء. قال الحرالي: وفي إشعاره تصنيف المأخوذين بذلك صنفين: من يثمر له صومه على وجه الشدة تقوى ، ومن لا يثمر له ذلك. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 338}

وقال في التحرير والتنوير:

وقوله: {لعلكم تتقون} بيان لحكمة الصيام وما لأجله شرع ، فهو في قوة المفعول لأجله لكُتب. و (لَعَل) إما مستعارة لمعنى كي استعارة تبعية ، وإما تمثيلية بتشبيه شأن الله ؛ في إرادته من تشريع الصوم التقوى بحال المترجي من غيره فعلًا ما ، والتقوى الشرعية هي اتقاء المعاصي ، وإنما كان الصيام موجبًا لاتقاء المعاصي ، لأن المعاصي قسمان ، قسم ينجع في تركه التفكر كالخمر والميسر والسرقة والغصْب فتركُه يحصل بالوعد على تركه والوعيد على فعله والموعظة بأحوال الغير ، وقسم ينشأ من دواع طبيعية كالأمور الناشئة عن الغضب وعن الشهوة الطبيعية التي قد يصعب تركها بمجرد التفكر ، فجعل الصيام وسيلة لاتقائها ، لأنه يُعَدِّل القوى الطبيعية التي هي داعية تلك المعاصي ، ليرتقي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادة إلى أَوج العالَم الرُّوحاني ، فهو وسيلة للارتياض بالصفات الملكية والانتفاض من غبار الكدرات الحيوانية.

وفي الحديث الصحيح"الصَّوْمُ جُنَّة"أي وقاية ولما تُرك ذكر متعلَّق جُنَّة تعيَّن حمله على ما يصلح له من أصناف الوقاية المرغوبة ، ففي الصوم وقاية من الوقوع في المآثم ووقاية من الوقوع في عذاب الآخرة ، ووقاية من العِلل والأدْواء الناشئة عن الإفراط في تناول اللذات.

أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 158}

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت