أما حجة الجمهور: فهي أن في الآية إضمارًا لأن التقدير: فأفطر فعدة من أيام أخر وتمام تقرير هذا الكلام أن الإضمار في كلام الله جائز في الجملة وقد دل الدليل على وقوعه ههنا أما بيان الجواز فكما في قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ الحجر فانفجرت} [البقرة: 60] والتقدير فضرب فانفجرت وكذلك قوله تعالى: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رؤسكم} إلى قوله: {أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} [البقرة: 196] أي فحلق فعليه فدية فثبت أن الإضمار جائز ، أما أن الدليل دل على وقوعه ففي تقريره وجوه الأول: قال القفال: قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] يدل على وجوب الصوم ولقائل أن يقول هذا ضعيف وبيانه من وجهين الأول: أنا إذا أجرينا ظاهر قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] على العموم لزمنا الإضمار في قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وقد بينا في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين التخصيص وبين الإضمار كان تحمل التخصيص أولى والثاني وهو أن ظاهر قوله تعالى: {فَلْيَصُمْهُ} يقتضي الوجوب عينًا ، ثم إن هذا الوجوب منتف في حق المريض والمسافر ، فهذه الآية مخصوصة في حقهما على جميع التقديرات سواء أجرينا قوله تعالى فعليه: {عِدَّةَ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} على ظاهره أو لم نفعل ذلك وإذا كان كذلك وجب إجراء هذه الآية على ظاهرها من غير إضمار.
الوجه الثاني: ما ذكره الواحدي في كتاب البسيط ، فقال: القضاء إنما يجب بالإفطار لا بالمرض والسفر ، فلما أوجب الله القضاء والقضاء مسبوق بالفطر ، دل على أنه لا بد من إضمار الإفطار وهذا في غاية السقوط لأن الله تعالى لم يقل: فعليه قضاء ما مضى بل قال: فعليه صوم عدة في أيام أخر وإيجاب الصوم عليه في أيام أخر لا يستدعي أن يكون مسبوقًا بالإفطار.