فهرس الكتاب

الصفحة 1441 من 12199

روي أنه لما نزلت هذه الآية قال عدي بن حاتم أخذت عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي ، وكنت أقوم من الليل فأنظر إليهما ، فلم يتبين لي الأبيض من الأسود ، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فضحك ، وقال

"إنك لعريض القفا ، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل"، وإنما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنك لعريض القفا"لأن ذلك مما يستدل به على بلاهة الرجل ، ونقول: يدل قطعًا على أنه تعالى كنى بذلك عن بياض أول النهار وسواد آخر الليل ، وفيه إشكال وهو أن بياض الصبح المشبه بالخيط الأسود هو بياض الصبح الكاذب ، لأنه بياض مستطيل يشبه الخيط ، فأما بياض الصبح الصادق فهو بياض مستدير في الأفق فكان يلزم بمقتضى هذه الآية أن يكون أول النهار من طلوع الصبح الكاذب وبالإجماع أنه ليس كذلك.

وجوابه: أنه لولا قوله تعالى في آخر هذه الآية: {مِنَ الفجر} لكان السؤال لازمًا ، وذلك لأن الفجر إنما يسمى فجرًا لأنه ينفجر منه النور ، وذلك إنما يحصل في الصبح الثاني لا في الصبح الأول ، فلما دلت الآية على أن الخيط الأبيض يجب أن يكون من الفجر ، علمنا أنه ليس المراد منه الصبح الكاذب بل الصبح الصادق ، فإن قيل: فكيف يشبه الصبح الصادق بالخيط ، مع أن الصبح الصادق ليس بمستطيل والخيط مستطيل.

وجوابه: أن القدر من البياض الذي يحرم هو أول الصبح الصادق ، وأول الصبح الصادق لا يكون منتشرًا بل يكون صغيرًا دقيقًا ، بل الفرق بينه وبين الصبح الكاذب أن الصبح الكاذب يطلع دقيقًا ، والصادق يبدو دقيقًا ، ويرتفع مستطيلًا فزال السؤال ، فأما ما حكي عن عدي بن حاتم فبعيد ، لأنه يبعد أن يخفى على مثله هذه الاستعارة مع قوله تعالى: {مِنَ الفجر } . (1) أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 93}

(1) استبعاد الإمام فخر الدين الرازى لهذه الرواية لا وجه له لأنه مذكور في البخارى (4509) .

أخبرنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا أبو عوانة ، عن حُصَين ، عن الشعبي ، عن عَدِيّ قال: أخذ عَدي عقالا أبيض وعقالا أسود ، حتى كان بعض الليل نظر فلم يتبينا. فلما أصبح قال: يا رسول الله ، جعلت تحت وسادتي. قال:"إن وسادك إذًا لعريض ، إنْ كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك"والله أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت