قوله تعالى: {إِلَى الليل} فيه ما يقتضي النهي عن الوصال ؛ إذ الليل غاية الصيام ؛ وقالته عائشة. وهذا موضعٌ اختلف فيه ؛ فمن واصل عبد اللَّه بن الزبير وإبراهيم التَّيْمي وأبو الجوزاء وأبو الحسن الدِّينَوَرِيّ وغيرهم. كان ابن الزبير يواصل سبعًا ، فإذا أفطر شرب السمن والصبر حتى يفتق أمعاءه ، قال: وكانت تيبس أمعاؤه. وكان أبو الجوزاء يواصل سبعة أيام وسبع ليال ولو قَبض على ذراع الرجل الشديد لحطمها. وظاهر القرآن والسُّنة يقتضي المنع ؛ قال صلى الله عليه وسلم:"إذا غابت الشمس من ها هنا وجاء الليل من ها هنا فقد أفطر الصائم"خرّجه مسلم من حديث عبد اللَّه بن أبي أوْفَى. ونهى عن الوصال ، فلما أَبَوْا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا ثم يومًا ثم رأوا الهلال فقال:"لو تأخر الهلال لزدتكم"كالمُنَكِّل لهم حين أبَوْا أن ينتهوا. أخرجه مسلم عن أبي هريرة. وفي حديث أنس:"لو مُدّ لنا الشهر لواصلنا وصالًا يَدعُ المتعمِّقون تعمُّقَهم". خرّجه مسلم أيضًا. وقال صلى الله عليه وسلم:"إياكم والوصال إياكم والوصال"تأكيدًا في المنع لهم منه ، وأخرجه البخاري. وعلى كراهية الوصال لما ذكرنا ولما فيه من ضعف القُوَى وإنهاك الأبدان جمهور العلماء. وقد حرّمه بعضهم لما فيه من مخالفة الظاهر والتشبه بأهل الكتاب ، قال صلى الله عليه وسلم:"إن فَصلَ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أَكْلَةُ السَّحَر"خرّجه مسلم وأبو داود. وفي البخاري عن أبي سعيد الخُدْرِيّ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لا تواصلوا فأيُّكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السَّحَر"قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله ؟ قال:"لست كهيئتكم إني أَبِيتُ لي مُطْعِمٌ يُطعمني وساقٍ يَسقيني"قالوا: وهذا إباحة لتأخير الفطر إلى السحر ، وهو الغاية في الوصال لمن أراده ، ومنعٌ من اتصال يوم بيوم ؛ وبه قال أحمد وإسحاق وابن وهب صاحب مالك.