أما على الوجه الأول: فهو أن المراد بالحرمات: الشهر الحرام ، والبلد الحرام ، وحرمة الإحرام فقوله: {والحرمات قِصَاصٌ} معناه أنهم لما أضاعوا هذه الحرمات في سنة ست فقد وقفتم حتى قضيتموه على زعمكم في سنة سبع.
وأما على الوجه الثاني: فهو أن المراد: إن أقدموا على مقاتلتكم فقاتلوهم أنتم أيضًا ، قال الزجاج: وعلم الله تعالى بهذه الآية أنه ليس للمسلمين أن ينتهكوا هذه الحرمات على سبيل الإبتداء بل على سبيل القصاص ، وهذا القول أشبه بما قبل هذه الآية ، وهو قوله: {وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فِيهِ} [البقرة: 191] وبما بعدها وهو قوله: {فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ} .
أما على القول الثالث: فقوله: {والحرمات قِصَاصٌ} يعني حرمة كل واحد من الشهرين كحرمة الآخر فهما مثلان ، والقصاص هو المثل فلما لم يمنعكم حرمة الشهر من الكفر والفتنة والقتال فكيف يمنعنا عن القتال. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 115}
وقال القرطبى تبعا لابن عطية:
والقول الأوّل أشهر وعليه الأكثر.
أ هـ {تفسير القرطبى حـ 2 صـ 354}
وقال الآلوسى:
{ الشهر الحرام بالشهر الحرام} قاتلهم المشركون عام الحديبية في ذي القعدة قتالًا خفيفًا بالرمي بالسهام والحجارة ، فاتفق خروجهم لعمرة القضاء فيه فكرهوا أن يقاتلوهم لحرمته. فقيل: هذا الشهر الحرام بذلك ، وهتكه بهتكه فلا تبالوا به {والحرمات قِصَاصٌ} أي الأمور التي يجب أن يحافظ عليها ذوات قصاص أو مقاصة ، وهو متضمن لإقامة الحجة على الحكم السابق ، كأنه قيل: لا تبالوا بدخولكم عليه عنوة ، وهتك حرمة هذا الشهر ابتداءًا بالغلبة ، فإن الحرمات يجري فيها القصاص فالصد قصاصه العنوة فإن قاتلوكم فاقتلوهم. أ هـ {روح المعانى حـ 2 صـ 77}