ولما ذكر أنه ألد شرع يذكر وجه لدده فقال عاطفًا على ما تقديره: فإذا واجهك اجتهد في إظهار أنه مصلح أو تكون جملة حالية {وإذا تولى} أي أعرض بقلبه أو قاله عمن خدعه بكلامه ، وكنى بالتعبير بالسعي عن الإسراع في إيقاع الفتنة بغاية الجهد فقال: {سعى} ونبه على كثرة فساده بقوله: {في الأرض} أي كلها بفعله وقوله عند من يوافقه {ليفسد} أي ليوقع الفساد وهو اسم لجميع المعاصي {فيها} أي في الأرض في ذات البين لأجل الإهلاك والناس أسرع شيء إليه فيصير له مشاركون في أفعال الفساد ، فإذا فعل منه ما يريد كان معروفًا عندهم فكان له عليه أعوان وبين أنه يصل بإفساده إلى الغاية بقوله مسميًا المحروث حرثًا مبالغة: {ويهلك الحرث} أي المحروث الذي يعيش به الحيوان ، قال الحرالي سماه حرثًا لأنه الذي نسبه إلى الخلق ، ولم يسمه زرعًا لأن ذلك منسوب إلى الحق - انتهى. ولأنه إذا هلك السبب هلك المسبب من غير عكس {والنسل} أي المنسول الذي به بقاء نوع الحيوان. قال الحرالي: وهو استخراج لطيف الشيء من جملته - انتهى. وفعله ذلك للإفساد ونظمت الآية هكذا إفهامًا لأن المعنى أن غرضه أولًا بإفساد ذات البين التوصل إلى الإهلاك وثانيًا بالإهلاك التوصل إلى الإفساد {والله} أي والحال أن الملك الأعظم {لا يحب الفساد} أي لا يفعل فيه فعل المحب فلا يأمر به بل ينهى عنه ولا يقر عليه بل يغيره وإن طال المدى ويعاقب عليه ، ولم يقل: الهلاك ، لأنه قد يكون صورة فقط فيكون صلاحًا كما إذا كان قصاصًا ولا قال: الإفساد يشمل ما إذا كان الفساد عن غير قصد ، والآية من الاحتباك ، ذكر أولًا الإفساد ليدل على حذفه ثانيًا وثانيًا الإهلاك ليدل على حذفه أولًا ، وذكر الحرث الذي هو السبب دلالة على الناسل والنسل الذي هو المسبب دلالة على الزرع فهو احتباك ثان.
أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 385}
قال الفخر: