فهرس الكتاب

الصفحة 1931 من 12199

وأقول هذا ضعيف لأن قوله تعالى: {زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} يتناول جميع الكفار ، فهذا يقتضي أن يكون لجميع الكفار مزين ، والمزين لجميع الكفار لا بد وأن يكون مغايرًا لهم ، إلا أن يقال: إن كل واحد منهم كان يزين للآخر ، وحينئذ يصير دورًا فثبت أن الذين يزين الكفر لجميع الكفار لا بد وأن يكون مغايرًا لهم ، فبطل قوله: إن المزين هم غواة الجن والإنس ، وذلك لأن هؤلاء الغواة داخلون في الكفار أيضًا ، وقد بينا أن المزين لا بد وأن يكون غيرهم ، فثبت أن هذا التأويل ضعيف ، وأما قوله: المزين للشيء هو المخبر عن حسنه فهذا ممنوع ، بل المزين من يجعل الشيء موصوفًا بالزينة ، وهي صفات قائمة بالشيء باعتبارها يكون الشيء مزينًا ، وعلى هذا التقدير سقط كلامه ، ثم إن سلمنا أن المزين للشيء هو المخبر عن حسنه ، فلم لا يجوز أن يقال: الله تعالى أخبر عن حسنه ، والمراد أنه تعالى أخبر عما فيها من اللذات والطيبات والراحات ، والإخبار عن ذلك ليس بكذب ، والتصديق بها ليس بكفر ، فسقط كلام أبي علي في هذا الباب بالكلية.

التأويل الثاني: قال أبو مسلم: يحتمل في {زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أنهم زينوا لأنفسهم والعرب يقولون لمن يبعد منهم: أين يذهب بك لا يريدون أن ذاهبًا ذهب به وهو معنى قوله تعالى في الآي الكثيرة: {أنى يُؤْفَكُونَ} {المائدة: 75 ، التوبة: 30 ، المنافقون: 4 ] ، أنى يُصْرَفُونَ} {غافر: 69 ] إلى غير ذلك ، وأكده بقوله تعالى: ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أموالكم وَلاَ أولادكم عَن ذِكْرِ الله} {المنافقون: 9 ] فأضاف ذلك إليهما لما كانا كالسبب ، ولما كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهرًا فالإنسان في الحقيقة هو الذي زين لنفسه ، واعلم أن هذا ضعيف ، وذلك لأن قوله: زُيّنَ} يقضي أن مزينًا زينه ، والعدول عن الحقيقة إلى المجاز غير ممكن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت