سؤال: فإن قلت: ما الوجه في ذكر منافع الخمر والميسر مع أن سياق التحريم والتمهيد إليه يقتضي تناسي المنافع ، قلت إن كانت الآية نازلة لتحريم الخمر والميسر فالفائدة في ذكر المنافع هي بيان حكمة التشريع ليعتاد المسلمون مراعاة علل الأشياء ، لأن الله جعل هذا الدين دينًا دائمًا وأودعه أمة أراد أن يكون منها مشرِّعون لمختلف ومتجددِ الحوادث ، فلذلك أشار لعلل الأحكام في غير موضع كقوله تعالى: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا} [ الحجرات: 12 ] ونحو ذلك ، وتخصيص التنصيص على العلل ببعض الأحكام في بعض الآيات إنما هو في مواضع خفاء العلل ، فإن الخمر قد اشتهر بينهم نفعها ، والميسر قد اتخذوه ذريعة لنفع الفقراء فوجب بيان ما فيهما من المفاسد إنباء بحكمة التحريم ، وفائدة أخرى وهي تأنيس المكلفين فطامهم عن أكبر لذائذهم تذكيرًا لهم بأن ربهم لا يريد إلاَّ صلاحَهم دون نكايتهم كقوله: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} [ البقرة: 216 ] وقوله: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} [ البقرة: 183 ] . وهنالك أيضًا فائدة أخرى وهي عذرهم عما سلف منهم حتى لا يستكينوا لهذا التحريم والتنديد على المفاسد كقوله: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم} [ البقرة: 187 ] . أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 345}