فهرس الكتاب

الصفحة 2325 من 12199

قوله تعالى: {أنى شِئْتُمْ} معناه عند الجمهور من الصحابة والتابعين وأئمّة الفتوى: من أيّ وجهٍ شئتم مقبلة ومدبرة ؛ كما ذكرنا آنفًا. و"أَنَّى"تجيء سؤالًا وإخبارًا عن أمرٍ له جهات ؛ فهو أعمّ في اللغة من"كيف"ومن"أين"ومن"متى"؛ هذا هو الاستعمال العربي في"أَنَّى". وقد فسر الناس"أنى"في هذه الآية بهذه الألفاظ. وفسّرها سيبويه بـ"كيف"ومن"أين"باجتماعهما. وذهبت فرقة ممن فسّرها بـ"أين"إلى أن الوطء في الدّبر مباح ؛ وممن نسب إليه هذا القول: سعيدُ بنُ المسيّب ونافعُ وابن عمرَ ومحمد بن كعبٍ القُرَظيّ وعبد الملك بن الماجشون ، وحُكي ذلك عن مالكٍ في كتاب له يسمى"كتاب السر". وحذّاق أصحابِ مالكٍ ومشايخهم يُنكرون ذلك الكتاب ؛ ومالكٌ أجلُّ من أن يكون له"كتابُ سِرٍّ". ووقع هذا القول في العُتْبِيّة. وذكر ابن العربيّ أن ابن شعبان أسند جواز هذا القولِ إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين ، وإلى مالكٍ من روايات كثيرة في كتاب"جماع النّسوان وأحكام القرآن". وقال الكِيَا الطبريّ: وروي عن محمد بن كعب القُرَظِيّ أنه كان لا يرى بذلك بأسًا ؛ ويتأوّل فيه قول الله عزّ وجلّ: {أَتَأْتُونَ الذكران مِنَ العالمين وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ} [ الشعراء: 165 ، 166 ] وقال: فتقديره تتركون مثل ذلك من أزواجكم ؛ ولو لم يُبح مثلُ ذلك من الأزواج لما صح ذلك ، وليس المباح من الموضع الآخَر مِثلًا له ؛ حتى يُقال: تفعلون ذلك وتتركون مثله من المباح. قال الكِيَا: وهذا فيه نظر ، إذ معناه: وتذرون ما خلق لكم ربُّكم من أزواجكم مما فيه تسكينُ شهوتكم ؛ ولذة الوقاع حاصلة بهما جميعًا ؛ فيجوز التوبيخ على هذا المعنى. وفي قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله} [ البقرة: 222 ] مع قوله: {فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ} ما يدل على أن المَأْتى اختصاصا ، وأنه مقصور على موضع الولد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت