فهرس الكتاب

الصفحة 2490 من 12199

أما قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ الله} فالمعنى أن ما تقدم ذكره من أحكام الطلاق والرجعة والخلع {فَلاَ تَعْتَدُوهَا} أي فلا تتجاوزوا عنها ، ثم بعد هذا النهي المؤكد أتبعه بالوعيد ، فقال: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون} وفيه وجوه أحدها: أنه تعالى ذكره في سائر الآيات {أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين} [ هود: 18 ] فذكر الظلم ههنا تنبيهًا على حصول اللعن ، وثانيها: أن الظالم اسم ذم وتحقير ، فوقوع هذا الاسم يكون جاريًا مجرى الوعيد ، وثالثها: أنه أطلق لفظ الظلم تنبيهًا على أنه ظلم من الإنسان على نفسه ، حيث أقدم على المعصية ، وظلم أيضًا للغير بتقدير أن لا تتم المرأة عدتها ، أو كتمت شيئًا مما خلق في رحمها ، أو الرجل ترك الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان ، أو أخذ من جملة ما آتاها شيئًا لا بسبب نشوز من جهة المرأة ، ففي كل هذه المواضع يكون ظالمًا للغير فلو أطلق لفظ الظالم دل على كونه ظالمًا لنفسه ، وظالمًا لغيره ، وفيه أعظم التهديدات. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 89}

وقال ابن عاشور:

جملة {تلك حدود الله فلا تعتدوها} معترضة بين جملة {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئًا} وما اتصل بها ، وبين الجملة المفرعة عليها وهي {فإن طلقها فلا تحل له من بعد} الآية.

ومناسبة الاعتراض ما جرى في الكلام الذي قبلها من منع أخذ العوض عن الطلاق ، إلا في حالة الخوف من ألا يقيما حدود الله ، وكانت حدود الله مبينة في الكتاب والسنة ، فجيء بهذه الجملة المعترضة تبْيِينًا ؛ لأن منع أخذ العوض على الطلاق هو من حدود الله.

وحدود الله استعارة للأوامر والنواهي الشرعية بقرينة الإشارة ، شبهت بالحدود التي هي الفواصل المجعولة بين أملاك الناس ، لأن الأحكام الشرعية ، تفصل بين الحلال والحرام ، والحق والباطل وتفصل بين ما كان عليه الناس قبل الإسلام ، وما هم عليه بعده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت