ولما كان من أتباعه صلى الله عليه وسلم من جاهد نفسه حتى صار أهلًا لفهم الدقائق وإدراك الإشارات والرقائق فألقى كليته للسماع لحظه بقوله: {منكم} معلمًا أن الخطاب في الحقيقة لكل فاهم ، وإنما قيد بهم لأنهم المنتفعون به الفاهمون له لما لهم من رقة القلوب الناشئة عن الإذعان لأن الخطاب وإن كان بالأحكام فهو وعظ يتضمن الترهيب كما يتضمن الترغيب ولما كان من الحكمة أن من لا ينتفع بشيء لا يقصد به أشار إلى ذلك بقوله: {يؤمن بالله} أي لما له من العظمة {واليوم الآخر} خوفًا من الفضيحة فيه ، وفي تسميته وعظًا إفهام بأن من تجاوز حدًا في غيره سلط عليه من يتجاوز فيه حدًا.
قال الحرالي: لأن من فعل شيئًا فعل به نحوه كأنه من عضل عن زوج عضل ولي آخر عنه حين يكون هو زوجًا ، ومن زنى زنى به {سيجزيهم وصفهم} [ الأنعام: 139 ] .
فلما وقع ما هيجوا إليه من كمال الإصغاء قال مقبلًا عليهم: {ذلكم} أي الأمر العظيم الشأن {أزكى لكم} أي أشد تنمية وتكثيرًا وتنقية وتطهيرًا بما يحصل منه بينكم من المودة والبركة من الله سبحانه وتعالى {وأطهر} للقلوب. ولما كان وصف المتكلم بالعلم أدعى لقبول من دونه منه قال مظهرًا ومعيدًا للاسم الأعظم تعظيمًا للأمر: {والله} أي أشير إليكم بهذا والحال أن الملك الأعظم {يعلم} أي له هذا الوصف {وأنتم لا تعلمون} أي ليس لكم هذا الوصف بالذات لا في الحال ولا في الاستقبال لما أفهمه النفي بكلمة لا وصيغة الدوام. أ هـ {نظم الدرر حـ 1 صـ 437 ـ 438}
قال أبو حيان: