فهرس الكتاب

الصفحة 2882 من 12199

وموقع {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم} قبل قوله: {وقاتلوا في سبيل الله} موقع ذكر الدليل قبل المقصود ، وهذا طريق من طرق الخطابة أن يقدم الدليل قبل المستدل عليه لمقاصد كقول علي رضي الله عنه في بعض خطبه لما بلغه استيلاء جند الشام على أكثر البلاد ، إذ افتتح الخطبة فقال:"ما هي إلا الكوفة أقبضها وأبسطها أنبئت بُسْرًا هو ابن أبي أرطأة من قادة جنود الشام قد اطلع اليمن ، وإني والله لأظن أن هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم ، وتفرقكم عن حقكم"فقوله:"ما هي إلا الكوفة"موقعه موقع الدليل على قوله:"لأظن هؤلاء القوم إلخ"وقال عيسى بن طلحة لما دخل على عروة بن الزبير حين قطعت رجله"ما كنا نعدك للصراع ، والحمد لله الذي أبقى لنا أكثرك: أبقى لنا سمعك ، وبصرك ، ولسانك ، وعقلك ، وإحدى رجليك"فقدم قوله: ما كنا نعدك للصراع ، والمقصود من مثل ذلك الاهتمام والعناية بالحجة قبل ذكر الدعوى تشويقًا للدعوى ، أو حملًا على التعجيل بالامتثال. أ هـ {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 475 ـ 476}

وقال أبو حيان:

مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى متى ذكر شيئًا من الأحكام التكليفية ، أعقب ذلك بشيء من القصص على سبيل الاعتبار للسامع ، فيحمله ذلك على الانقياد وترك العناد ، وكان تعالى قد ذكر أشياء من أحكام الموتى ومن خلفوا ، فأعقب ذلك بذكر هذه القصة العجيبة ، وكيف أمات الله هؤلاء الخارجين من ديارهم ، ثم أحياهم في الدنيا ، فكما كان قادرًا على إحيائهم في الدنيا هو قادر على إحياء المتوفين في الآخرة ، فيجازي كلاَّ منهم بما عمل.

ففي هذه القصة تنبيه على المعاد ، وأنه كائن لا محالة ، فيليق بكل عاقل أن يعمل لمعاده: بأن يحافظ على عبادة ربه ، وأن يوفي حقوق عباده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت