فهرس الكتاب

الصفحة 3434 من 12199

و"كيف"في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء ، والإحياءُ متقرِّرٌ ، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبّرون عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح ، فيلزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح ؛ مثال ذلك أن يقول مدّع: أنا أرفع هذا الجبل ؛ فيقول المكذِّب له: أرني كيف ترفعه! فهذه طريقة مجازٍ في العبارة ، ومعناها تسليم جَدَليٌّ ، كأنه يقول: افرض أنك ترفعه ، فأرني كيف ترفعه! فلما كانت عبارة الخليل عليه السَّلام بهذا الإشتراك المجازي ، خلص الله له ذلك وحمله على أن بيّن له الحقيقة فقال له: { أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى } فكمل الأمر وتخلّص من كل شك ، ثم علّل عليه السَّلام سؤاله بالطمأنينة.

قلت: هذا ما ذكره ابن عطية وهو بالغ ، ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشك فإنه كفر ، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث.

وقد أخبر الله تعالى أن أنبياءه وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل فقال: { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } [ الحجر: 42 ] وقال اللعين: {إلاَّ عبادك منهم المخلصين} ، وإذا لم يكن له عليهم سلطنة فكيف يشككهم ، وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها ؛ فأراد أن يترقى من علم اليقين إلى علم اليقين ؛ فقوله:"أرني كيف"طلب مشاهدة الكيفية.

وقال بعض أهل المعاني: إنما أراد إبراهيم من ربه أن يريه كيف يحيي القلوب ؛ وهذا فاسد مردود بما تعقّبه من البيان ، ذكره الماورديّ وليست الألف في قوله:"أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ"ألف استفهام وإنما هي ألف إيجاب وتقرير كما قال جرير:

ألستُم خيَر من ركب المَطايَا . . .

والواو واو الحال.

و"تُؤْمِنْ"معناه إيمانًا مطلقًا ، دخل فيه فضل إحياء الموتى. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 299 ـ 300}

وقال أبو حيان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت