واعلم أني حين كنت مقيمًا بخوارزم ، وكان هناك جمع من أكابر الأدباء ، أوردت عليهم إشكالًا في هذا الباب فقلت: إنكم تقولون إن {كَانَ} إذا كانت ناقصة إنها تكون فعلًا وهذا محال ، لأن الفعل ما دلّ على اقتران حدث بزمان ، فقولك {كَانَ} يدل على حصول معنى الكون في الزمان الماضي ، وإذا أفاد هذا المعنى كانت تامة لا ناقصة ، فهذا الدليل يقتضي أنها إن كانت فعلًا كانت تامة لا ناقصة ، وإن لم تكن تامة لم تكن فعلًا ألبتة بل كانت حرفًا ، وأنتم تنكرون ذلك ، فبقوا في هذا الإشكال زمانًا طويلًا ، وصنفوا في الجواب عنه كتبًا ، وما أفلحوا فيه ثم انكشف لي فيه سر أذكره هاهنا وهو أن كان لا معنى له إلا حدث ووقع ووجد ، إلا أن قولك وجد وحدث على قسمين أحدها: أن يكون المعنى: وجد وحدث الشيء كقولك: وجد الجوهر وحدث العرض والثاني: أن يكون المعنى: وجد وحدث موصوفية الشيء بالشيء ، فإذا قلت: كان زيد عالمًا فمعناه حدث في الزمان الماضي موصوفية زيد بالعلم ، والقسم الأول هو المسمى بكان التامة والقسم الثاني هو المسمى بالناقصة ، وفي الحقيقة فالمفهوم من {كَانَ} في الموضعين هو الحدوث والوقوع ، إلا أن في القسم الأول المراد حدوث الشيء في نفسه ، فلا جرم كان الاسم الواحد كافيًا ، والمراد في القسم الثاني حدوث موصوفية أحد الأمرين بالآخر ، فلا جرم لم يكن الاسم الواحد كافيًا ، بل لا بد فيه من ذكر الاسمين حتى يمكنه أن يشير إلى موصوفية أحدهما بالآخر ، وهذا من لطائف الأبحاث ، فأما إن قلنا إنه فعل كان دالًا على وقوع المصدر في الزمان الماضي ، فحينئذ تكون تامة لا ناقصة ، وإن قلنا: إنه ليس بفعل بل حرف فكيف يدخل فيه الماضي والمستقبل والأمر ، وجميع خواص الأفعال ، وإذا حمل الأمر على ما قلناه تبين أنه فعل وزال الإشكال بالكلية.
المفهوم الثالث: لكان يكون بمعنى صار ، وأنشدوا:
بتيهاء قفر والمطي كأنها.. قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها