القائلون بأن ظاهر الأمر للندب لا إشكال عليهم في هذه ، وأما القائلون بأن ظاهره للوجوب فقد اختلفوا فيه ، فقال قوم بالوجوب وهو مذهب عطاء ، وابن جريج والنخعي واختيار محمد بن جرير الطبري ، وقال النخعي يشهد ولو على دستجة بقل ، وقال آخرون: هذا الأمر محمول على الندب ، وعلى هذا جمهور الفقهاء المجتهدين ، والدليل عليه أنا نرى جمهور المسلمين في جميع ديار الإسلام يبيعون بالأثمان المؤجلة من غير كتابة ولا إشهاد ، وذلك إجماع على عدم وجوبهما ، ولأن في إيجابهما أعظم التشديد على المسلمين ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"بعثت بالحنيفية السهلة السمحة"وقال قوم: بل كانت واجبة ، إلا أن ذلك صار منسوخًا بقوله {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الذى اؤتمن أمانته} [ البقرة: 283 ] وهذا مذهب الحسن والشعبي والحكم وابن عيينة ، وقال التيمي: سألت الحسن عنها فقال: إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد ، ألا تسمع قوله تعالى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا} واعلم أنه تعالى لما أمر بكتب هذه المداينة اعتبر في تلك الكتبة شرطين:
الشرط الأول: أن يكون الكاتب عدلًا وهو قوله {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل} واعلم أن قوله تعالى: {فاكتبوه} ظاهره يقتضي أنه يجب على كل أحد أن يكتب ، لكن ذلك غير ممكن ، فقد لا يكون ذلك الإنسان كاتبًا ، فصار معنى قوله {فاكتبوه} أي لا بد من حصول هذه الكتبة ، وهو كقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء} [ المائدة: 38 ] فإن ظاهره وإن كان يقتضي خطاب الكل بهذا الفعل ، إلا أنا علمنا أن المقصود منه أنه لا بد من حصول قطع اليد من إنسان واحد ، إما الإمام أو نائبه أو المولى ، فكذا هاهنا ثم تأكد هذا الذي قلناه بقوله تعالى: {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل} فإن هذا يدل على أن المقصود حصول هذه الكتبة من أي شخص كان. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 96}