وأما الاحتمال الثاني ، وهو أن يكون هذا استثناءً منقطعًا فالتقدير: لكنه إذا كانت التجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها ، فهذا يكون كلامًا مستأنفًا ، وإنما رخص تعالى في ترك الكتبة والإشهاد في هذا النوع من التجارة ، لكثرة ما يجري بين الناس ، فلو تكلف فيها الكتبة والإشهاد لشق الأمر على الخلق ، ولأنه إذا أخذ كل واحد من المتعاملين حقه من صاحبه في ذلك المجلس ، لم يكن هناك خوف التجاحد ، فلم يكن هناك حاجة إلى الكتبة والإشهاد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 102}
قال الفخر:
التجارة عبارة عن التصرف في المال سواء كان حاضرًا أو في الذمة لطلب الربح ، يقال: تجر الرجل يتجر تجارة فهو تاجر ، واعلم أنه سواء كانت المبايعة بدين أو بعين ، فالتجارة تجارة حاضرة ، فقوله {إِلا أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً} لا يمكن حمله على ظاهره ، بل المراد من التجارة ما يتجر فيه من الإبدال ، ومعنى إدارتها بينهم معاملتهم فيها يدًا بيد ، ثم قال: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن لا تَكْتُبُوهَا} [ البقرة: 282 ] معناه: لا مضرة عليكم في ترك الكتابة ، ولم يرد الإثم عليكم لأنه لو أراد الإثم لكانت الكتابة المذكورة واجبة عليهم ، ويأثم صاحب الحق بتركها ، وقد ثبت خلاف ذلك وبيان أنه لا مضرة عليهم في تركها ما قدمناه. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 103}
فصل
قال القرطبى:
قوله تعالى: { تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ } يقتضي التقابض والبينونة بالمقبوض.
ولمّا كانت الرِّباع والأرض وكثير من الحيوان لا يقبل البينونة ولا يغاب عليه ، حَسُن الكَتْبُ فيها ولحقت في ذلك مبايعة الدَّين ؛ فكان الكتاب توثُّقًا لِما عسى أن يطرأ من اختلاف الأحوال وتغيُّر القلوب.
فأما إذا تفاصلا في المعاملة وتقابضا وبان كل واحد منهما بما ابتاع من صاحبه ، فيقلّ في العادة خوف التنازع إلاَّ بأسباب غامضة.