إذا ثبت هذا فنقول: لا اختيار للإنسان في حدوث تلك المشيئة ، وبعد حدوثها فلا اختيار له في ترتب الفعل عليها إلا بالمشيئة به ، ولا حصول الفعل بعد المشيئة ، فالإنسان مضطر في صورة مختار ، فهذا كلام قاهر قوي ، وفي معارضته إشكالان أحدهما: كيف يليق بكمال حكمة الله تعالى إيجاد هذه القبائح والفواحش من الكفر والفسق والثاني: أنه لو كان الكل بتخليقه فكيف توجه الأمر والنهي ، والمدح والذم ، والثواب والعقاب على العبد ، فهذا هو الحرف المعول عليه من جانب الخصم ، إلا أنه وارد عليه أيضًا في العلم على ما قررناه في مواضع عدة.
وأما المرتبة الرابعة في الإيمان بالله: فهي معرفة أحكامه ، ويجب أن يعلم في أحكامه أمورًا أربعة أحدها: أنها غير معللة بعلة أصلًا ، لأن كل ما كان معللًا بعلة كان صاحبه ناقصًا بذاته ، كاملًا بغيره ، وذلك على الحق سبحانه محال وثانيها: أن يعلم أن المقصود من شرعها منفعة عائدة إلى العبد لا إلى الحق ، فإنه منزّه عن جلب المنافع ، ودفع المضار وثالثها: أن يعلم أن له الإلزام والحكم في الدنيا كيف شاء وأراد ورابعها: أنه يعلم أنه لا يجب لأحد على الحق بسبب أعماله وأفعاله شيء ، وأنه سبحانه في الآخرة يغفر لمن يشاء بفضله ويعذب من يشاء بعدله ، وأنه لا يقبح منه شيء ، ولا يجب عليه شيء ، لأن الكل ملكه وملكه ، والمملوك المجازى لا حق له على المالك المجازي ، فكيف المملوك الحقيقي مع المالك الحقيقي.