فهرس الكتاب

الصفحة 4242 من 12199

قال الفخر:

المعتزلة عولوا على هذه الآية في أنه تعالى لا يكلف العبد ما لا يطيقه ولا يقدر عليه ، ونظيره قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ} [ الحج: 78 ] وقوله {يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ} [ النساء: 28 ] وقوله {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر} [ البقرة: 185 ] وقالوا: هذه الآية صريحة في نفي تكليف ما لا يطاق ، قالوا: وإذا ثبت هذا فههنا أصلان الأول: أن العبد موجد لأفعال نفسه ، فإنه لو كان موجدها هو الله تعالى ، لكان تكليف العبد بالفعل تكليفًا بما لا يطاق ، فإن الله تعالى إذا خلق الفعل وقع لا محالة ولا قدرة ألبتة للعبد على ذلك الفعل ولا على تركه ، أما إنه لا قدرة له على الفعل فلأن ذلك الفعل وجد بقدرة الله تعالى ، والموجود لا يوجد ثانيًا ، وأما إنه لا قدر له على الدفع فلأن قدرته أضعف من قدرة الله تعالى ، فكيف تقوى قدرته على دفع قدرة الله تعالى وإذا لم يخلق الله الفعل استحال أن يكون للعبد قدرة على التحصيل ، فثبت أنه لو كان الموجد لفعل العبد هو الله تعالى لكان تكليف العبد بالفعل تكليفًا بما لا يطاق والثاني: أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لكان الكافر المأمور بالإيمان لم يكن قادرًا على الإيمان ، فكان ذلك التكليف بما لا يطاق هذا تمام استدلال المعتزلة في هذا الموضع.

أما الأصحاب فقالوا: دلّت الدلائل العقلية على وقوع التكليف على هذا الوجه ، فوجب المصير إلى تأويل هذه الآية.

الحجة الأولى: أن من مات على الكفر ينبىء موته على الكفر أن الله تعالى كان عالمًا في الأزل بأنه يموت على الكفر ولا يؤمن قط ، فكان العلم بعدم الإيمان موجودًا ، والعلم بعدم الإيمان ينافي وجود الإيمان على ما قررناه في مواضع ، وهو أيضًا مقدم بينة بنفسها ، فكان تكليفه بالإيمان مع حصول العلم بعدم الإيمان تكليفًا بالجمع بين النقيضين ، وهذه الحجة كما أنها جارية في العلم ، فهي أيضًا جارية في الجبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت