فهرس الكتاب

الصفحة 4263 من 12199

الوجه الثالث في الجواب: أن المقصود من الدعاء إظهار التضرع إلى الله تعالى ، لا طلب الفعل ، ولذلك فإن الداعي كثيرًا ما يدعو بما يقطع بأن الله تعالى يفعله سواء دعا أو لم يدع ، قال الله تعالى: {قَالَ رَبّ احكم بالحق} [ الأنبياء: 112 ] وقال: {رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة} [ آل عمران: 194 ] وقالت الملائكة في دعائهم {فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ} [ غافر: 7 ] فكذا في هذه الآية العلم بأن النسيان مغفور لا يمنع من حسن طلبه في الدعاء.

الوجه الرابع في الجواب: أن مؤاخذة الناسي غير ممتنعة عقلًا ، وذلك لأن الإنسان إذا علم أنه بعد النسيان يكون مؤاخذًا فإنه بخوف المؤاخذة يستديم الذكر ، فحينئذ لا يصدر عنه إلا أن استدامة ذلك التذكر فعل شاق على النفس ، فلما كان ذلك جائزًا في العقول ، لا جرم حسن طلب المغفرة منه بالدعاء.

الوجه الخامس: أن أصحابنا الذين يجوزون تكليف ما لا يطاق يتمسكون بهذه الآية فقالوا الناسي غير قادر على الاحتراز عن الفعل ، فلولا أنه جائز عقلًا من الله تعالى أن يعاقب عليه لما طلب بالدعاء ترك المؤاخذة عليه.

والقول الثاني: في تفسير النسيان ، أن يحمل على الترك ، قال الله تعالى: {فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [ طه: 115 ] وقال تعالى: {نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ} [ التوبة: 67 ] أي تركوا العمل لله فتركهم ، ويقول الرجل لصاحبه: لا تنسني من عطيتك ، أي لا تتركني ، فالمراد بهذا النسيان أن يترك الفعل لتأويل فاسد ، والمراد بالخطأ ، أن يفعل الفعل لتأويل فاسد. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 125 ـ 126}

قال القاسمى:

وقد ولع كثير من المفسرين ههنا بالبحث في أن النسيان والخطأ معفو عنهما ، فما فائدة طلب العفو عنهما ؟

وأجابوا عن ذلك بوجوه.

وأرق جواب رأيته قول العلامة بير محمد في المدحة الكبرى: لما كان طالب العفو الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والأنصار والمهاجرون ومن كان على شاكلتهم فكأنهم يعدون النسيان من العصيان والخطأ من الخطيئة.

كقوله تعالى {والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} . (المؤمنون: 60) . أ هـ {محاسن التأويل حـ 1 صـ 289}

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت