واعلم أن المبتلى بالكفر مغلوب الحكم الأزلى بالشقاوة ثم مغلوب الهوى والنفس والشيطان ولذات الدنيا فغلبات الهوى والنفس ترد إلى أسفل سافلين الطبيعة فيعيش فيها ثم يموت على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه في قعر جهنم وبئس المهاد فإنه مهده في معاشه والنار ناران نار الله ونار الجحيم فأما نار الله فهى نار حسرة القطيعة عن الله فيها يعذب قلوب المحجوبين عن الله كقوله تعالى {نار الله الموقدة التي تتطلع على الأفئدة} وأما نار الجحيم فهى نار الشهوات والمعاملات على الغفلات من المخالفات فهى تحرق قشور الجلود كما قال تعالى {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب} ولا يتخلص من هذه النار إلا لب القلوب وأن عذاب حرقة الجلد بالنسبة إلى عذاب حرقة القلوب كنسيم الحياة وسموم الممات فلا بد من تزكية النفس فإنها سبب للخلاص من عذاب الفرقة قيل لبعضهم بم يتخلص العبد من نفسه قال بربه انتهى
فإذا أراد الله أن ينصر عبده على ما طلب منه أمده بجنود الأنوار فكلما اعترته ظلمة قام لها نور فأذهبها وقطع عنه مواد الظلم والأغيار فلم يبق للهوى مجال ولا للشهوة والأخلاق الذميمة مقال ولا قال ، فالنور جند القلب كما إن الظلمة جند النفس والمراد بالنور حقائق ما يستفاد من معانى الأسماء والصفات وبالظلمة معانى ما يستفاد من الهوى والعوائد الردئية قال تعالى {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها} أى غيروا حالها عما هى عليه وكذلك إذا وردت الواردات الربانية على القلوب الممتلئة أخرجت منها كل صفة ردئية وكستها كل خلق زكية فهذه الدولة إنما تنال بترك الدنيا والعقبى فكيف يمتلىء بالأنوار قلب من خالط الأغيار وأحب المال والأولاد ولم يخف من رب العباد. أ هـ {روح البيان حـ 1 صـ 12 ـ 13}
قال الشيخ الشنقيطى:
قوله تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا} الآية.