فهرس الكتاب

الصفحة 4717 من 12199

البحث الثالث: قال الحكماء: الإنسان قد يحب شيئًا ولكنه يحب أن لا يحبه مثل المسلم فإنه قد يميل طبعه إلى بعض المحرمات لكنه يحب أن لا يحب ، وأما من أحب شيئًا وأحب أن يحبه فذاك هو كمال المحبة ، فإن كان ذلك في جانب الخير فهو كمال السعادة ، كما في قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام {إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير} [ ص: 32 ] ومعناه أحب الخير وأحب أن أكون محبًا للخير ، وإن كان ذلك في جانب الشر ، فهو كما قال في هذه الآية فإن قوله {زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات} يدل على أمور ثلاثة مرتبة أولها: أنه يشتهي أنواع المشتهيات وثانيها: أنه يحب شهوته لها وثالثها: أنه يعتقد أن تلك المحبة حسنة وفضيلة ، ولما اجتمعت في هذه القضية الدرجات الثلاثة بلغت الغاية القصوى في الشدة والقوة ، ولا يكاد ينحل إلا بتوفيق عظيم من الله تعالى ، ثم إنه تعالى أضاف ذلك إلى الناس ، وهو لفظ عام دخله حرف التعريف فيفيد الاستغراق ، فظاهر اللفظ يقتضي أن هذا المعنى حاصل لجميع الناس ، والعقل أيضًا يدل عليه ، وهو أن كل ما كان لذيذًا ونافعًا فهو محبوب ومطلوب لذاته واللذيذ النافع قسمان: جسماني وروحاني ، والقسم الجسماني حاصل لكل أحد في أول الأمر ، وأما القسم الروحاني فلا يكون إلا في الإنسان الواحد على سبيل الندرة ، ثم ذلك الإنسان إنما يحصل له تلك اللذة الروحانية بعد استئناس النفس باللذات الجسمانية ، فيكون انجذاب النفس إلى اللذات الجسمانية كالملكة المستقرة المتأكدة ، وانجذابها إلى اللذات الروحانية كالحالة الطارئة التي تزول بأدنى سبب فلا جرم كان الغالب على الخلق إنما هو الميل الشديد إلى اللذات الجسمانية وأما الميل إلى طلب اللذات الروحانية فذاك لا يحصل إلا للشخص النادر ، ثم حصوله لذلك النادر لا يتفق إلا في أوقات نادرة ، فلهذا السبب عم الله هذا الحكم فقال: {زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات} . أ هـ مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 169

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت