هذا تقرير من الله تعالى للتوحيد بأعظم الطرق الموجبة له ، وهي شهادته تعالى وشهادة خواص الخلق وهم الملائكة وأهل العلم ، أما شهادته تعالى فيما أقامه من الحجج والبراهين القاطعة على توحيده ، وأنه لا إله إلا هو ، فنوع الأدلة في الآفاق والأنفس على هذا الأصل العظيم ، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه ما قام أحد بتوحيده إلا ونصره على المشرك الجاحد المنكر للتوحيد ، وكذلك إنعامه العظيم الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه ، ولا يدفع النقم إلا هو ، والخلق كلهم عاجزون عن المنافع والمضار لأنفسهم ولغيرهم ، ففي هذا برهان قاطع على وجوب التوحيد وبطلان الشرك ، وأما شهادة الملائكة بذلك فنستفيدها بإخبار الله لنا بذلك وإخبار رسله ، وأما شهادة أهل العلم فلأنهم هم [ ص 125 ] المرجع في جميع الأمور الدينية خصوصا في أعظم الأمور وأجلها وأشرفها وهو التوحيد ، فكلهم من أولهم إلى آخرهم قد اتفقوا على ذلك ودعوا إليه وبينوا للناس الطرق الموصلة إليه ، فوجب على الخلق التزام هذا الأمر المشهود عليه والعمل به ، وفي هذا دليل على أن أشرف الأمور علم التوحيد لأن الله شهد به بنفسه وأشهد عليه خواص خلقه ، والشهادة لا تكون إلا عن علم ويقين ، بمنزلة المشاهدة للبصر ، ففيه دليل على أن من لم يصل في علم التوحيد إلى هذه الحالة فليس من أولي العلم. وفي هذه الآية دليل على شرف العلم من وجوه كثيرة ، منها: أن الله خصهم بالشهادة على أعظم مشهود عليه دون الناس ، ومنها: أن الله قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته ، وكفى بذلك فضلا ومنها: أنه جعلهم أولي العلم ، فأضافهم إلى العلم ، إذ هم القائمون به المتصفون بصفته ، ومنها: أنه تعالى جعلهم شهداء وحجة على الناس ، وألزم الناس العمل بالأمر المشهود به ، فيكونون هم السبب في ذلك ، فيكون كل من عمل بذلك نالهم من أجره ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، ومنها: أن إشهاده تعالى أهل العلم يتضمن ذلك تزكيتهم وتعديلهم وأنهم أمناء على ما استرعاهم