فهرس الكتاب

الصفحة 5314 من 12199

ولما قالت { إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا } قالت { فَتَقَبَّلْ مِنِّى } فاستجاب ، وظهرت آثار القبول عليها وعلى ابنها ، ونجا بحديثها عَالَمٌ وَهَلَكَ بسببها عَالَمٌ ، ووقعت الفتنة لأجلهما في عَالَم.

قالت: { وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } استجارت بالله من أن يكون للشيطان في حديثها شيء بما هو الأسهل ، لتمام ما هم به من أحكام القلوب.

قوله جلّ ذكره: { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } .

حيث بَلَّغَها فوق ما تَمَنَّتْ أمها ، ويقال تقبَّلها بقبول حسنٍ حتى أفردها لطاعته ، وتولاّهَا بما تَولَّى به أولياءه ، حتى أفضى جمع مَنْ في عصرها العَجَبَ من حُسْنِ توليه أمرها ، وإن كانت بنتًا.

ويقال القبولُ الحَسَنُ حُسْنُ تربيته لها مع علمه - سبحانه - بأنه يُقال فيه بسببها ما يُقال ، فلم يُبالِ بِقُبْح مقال الأعداء:

أجد الملامة في هواكِ لذيذةً... حُبًَّا لذكرك فليلمني اللُّوَمُ

وكما قيل:

ليقل من شاء ما... شاء فإني لا أُبالي

ويقال القبول الحسن أَنْ ربّاها على نعت العصمة حتى كانت تقول: { إِنِّى أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا } [ مريم: 18 ] .

{ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } حتى استقامت على الطاعة ، وآثرت رضاه - سبحانه - في جميع الأوقات ، وحتى كانت الثمرة منها مثل عيسى عليه السلام ، وهذا هو النبات الحسن ، وكفلها زكريا. ومن القبول الحسن والنبات الحسن أَنْ جعل كافَلَها والقَيَّمَ بأمرها وحفظها نبيًا من الأنبياء مثل زكريا عليه السلام ، وقد أوحى الله إلى داود عليه السلام: إنْ رأيْتَ لي طالبًا فكُنْ له خادمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت