الخامس: أن الرسول - فيه بمعنى النطق ، فكأنه قيل: وناطقًا بأني قد جئتكم ، ويوضِّحُ هذين الوجهين الأخيرين ، ما قاله الزمخشريُّ:"فإن قلت: عَلاَم تَحْمِل"وَرَسُولًا"و"مُصَدِّقًا"من المنصوبات المتقدمة ، وقوله: { أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ } و { لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } يأبى حَمله عليها ؟"
قلت: هو من المضايق ، وفيه وجهان:
أحدهما: أن يُضمر له"وأرسَلْت"- على إرادة القول - تقديره: ويعلمه الكتاب والحكمة ، ويقول: أرسلت رسولًا بأني قد جئتكم ، ومصدقًا لما بين يديَّ.
الثاني: أن الرسول والمصدِّق فيهما معنى النطق ، فكأنه قيل: وناطقًا بأني قد جئتكم ، ومصدقًا لما بين يدي". اه."
إنما احتاج إلى إضمار ذلك كُلِّه تصحيحًا للمعنى واللفظ ، وذلك أن ما قبله من المنصوبات ، لا يصح عطفه عليه في الظاهر ؛ لأن الضمائر المتقدمة غُيَّب ، والضميرانِ المصاحبانِ لهذين المنصوبين في حُكْم المتكلم ؛ فاحتاج إلى ذلك التقدير ؛ ليناسب الضمائر.
وقال أبو حيان:"وهذا الوجه ضعيف ؛ إذْ فيه إضمارُ الْقَوْلِ ومعموله - الذي هو أرسلت - والاستغناء عنهما باسمِ منصوبٍ على الحال المؤكِّدة ، إذْ يُفْهَم من قوله: وأرسلت ، أنه رسول ، فهي - على هذا - حال مؤكِّدة".
واختار أبو حيّان الوجه الثالث ، قال:"إذْ ليس فيه إلا إضمار فعل يدل عليه المعنى - ويكون قوله: { أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ } معمولًا لـ"رَسُولًا"أي: ناطقًا بأني قد جئتكم ، على قراءة الجمهور".
الثالث: أن يكون حالًا من مفعول"وَيًعَلِّمُهُ"وذلك على زيادة الواو - كأنه قيل: ويعلمه الكتاب ، حال كونه رسولًا. قاله الأخفشُ ، وهذا على أصل مذهبه من تجويزه زيادة الواو ، وهو مذهب مَرْجُوحٌ.
وعلى الثاني وهو كون"الرسول"مصدرًا كالرسالة في نصبه وجهان: