وقال أبو حيان:
{ وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم } بدأ أولًا بقسم الكفار ، لأن ما قبله من ذكر حكمه تعالى بينهم هو على سبيل التهديد والوعيد للكفار ، والإخبار بجزائهم ، فناسبت البداءة بهم ، ولأنهم أقرب في الذكر بقوله: { فوق الذين كفروا } وبكون الكلام مع اليهود الذين كفروا بعيسى وراموا قتله ، ثم أتى ثانيًا بذكر المؤمنين ، وعلق هناك العذاب على مجرَّد الكفر ، وهنا علق توفية الأجر على الإيمان وعمل الصالحات تنبيهًا على درجة الكمال في الإيمان ، ودعاء إليها.
والتوفية: دفع الشيء وافيًا من غير نقص ، والأجور: ثواب الأعمال ، شبهه بالعامل الذي يوفى أجره عند تمام عمله.
وتوفية الأجور هي: قسم المنازل في الجنة بحسب الأعمال على ما رتبها تعالى ، وفي الآية قبلها قال: { فأعذبهم } أسند الفعل إلى ضمير المتكلم وحده ، وذلك ليطابق قوله: { فأحكم بينكم } وفي هذه الآية قال: فيوفيهم ، بالياء على قراءة حفص ، ورويس ، وذلك على سبيل الالتفات والخروج من ضمير المتكلم إلى ضمير الغيبة للتنوع في الفصاحة.
وقرأ الجمهور: فنوفيهم ، بالنون الدالة على المتكلم المعظم شأنه ، ولم يأت بالهمزة كما في تلك الآية ليخالف في الإخبار بين النسبة الإسنادية فيما يفعله بالكافر وبالمؤمن ، كما خالف في الفعل ، ولأن المؤمن العامل للصالحات عظيم عند الله ، فناسبه الإخبار عن المجازي بنون العظمة. أ هـ {البحر المحيط حـ 2 صـ 499}