فهرس الكتاب

الصفحة 5642 من 12199

ولما شبه المثل بالمثل علمنا أن مثل عيسى كل ولد نشاهده تولد من أنثى ، ومثل آدم كل حيوان نشاهده تولد من تراب ، وما شاهده بنو إسرائيل من خلق عيسى عليه الصلاة والسلام الطير من الطين فهذا المثل الذي هو كل ما تولد من أنثى مثل ذلك المثل الذي هو كل ما تولد من تراب في أن كلاًّ منهما لم يكن إلا بتكوين الله سبحانه وتعالى ، وإلا لكان كل جماع موجبًا للولد وكل تراب موجبًا لتولد الحيوان منه ، فلما كان أكثر الجماع لا يكون منه ولد علمنا أن الإيجاد بين الذكر والأنثى إنما هو بقدرة الله سبحانه وتعالى وإرادته ، ومن إرادته وقدرته كونه من ذكر وأنثى ، فلا فرق في ذلك بين أن يريد كونه من أنثى بتسبيب جماع من ذكر يخرق به عادة الجماع فيجعله موجبًا للحبل وبين أن يريد كونه من أنثى فقط فيخرق به عادة ما نشاهده الآن من التوليد بين الذكر والأنثى ، كما أنا لما علمنا أنه ليس كل تراب يكون منه حيوان علمنا قطعًا أن هذا المتولد من تراب إنما هو بإرادة القادر واختياره لا بشيء آخر ، وإلى ذلك أشار يحيى عليه الصلاة والسلام بقوله فيما سلف قريبًا: إن الله قادر على أن يقيم من الحجارة أولادًا لإبراهيم ، أي لأنه سبحانه وتعالى هو الذي يخلق المسببات فلا فرق حينئذ بين مسبب وسبب ، بل كلها في قدرته سواء ، وإلى ذلك أشار قوله: {ثم قال له كن} أي بشرًا كاملًا روحًا وجسدًا ، وعبر بصيغة المضارع المقترن بالفاء في {فيكون} دون الماضي وإن كان المتبادر إلى الذهب أن المعنى عليه حكاية للحال وتصويرًا لها إشارة إلى أنه كان مع الأمر من غير تخلف وتنبيهًا على أن هذا هو الشأن دائمًا ، يتجدد مع كل مراد ، لا يتخلف عن مراد الآمر أصلًا - كما تقدم التصريح به في آية {إذا قضى أمرًا} [ البقرة: 117 ] وذلك أغرب مما كان سبب ضلال النصارى الذين يجادل عن معتقدهم وفد نجران ، قال سبحانه وتعالى ذلك إشارة إلى أنهم ظلموا في القياس ، وكان العدل أن يقاس في خرقه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت