قال شهاب الدِّينِ:"والظاهر من هذا النظر أن الاعتراضَ - وهو قوله: لا يكون حالًا أنت فيها غير لازمٍ ؛ إذ تقدير"قَدْ"تُقَرِّبُه من الحال. وقد يظهر الجوابُ عما قاله الزَّجَّاجُ من قول الزمخشريِّ: قدره جسدًا من طين { ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ } أي: أنشأه بَشَرًا".
قال أبو حيّان: ولو كان الخلق بمعنى الإنشاء - لا بمعنى التقدير - لم يأت بقوله:"كُنْ"؛ لأن ما خلق لا يقال له: كُنْ ، ولا ينشأ إلا إن كان معنى: { ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن } عِبَارةً عَنْ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ.
وقال الواحديُّ: قوله { خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ } لَيْسَ بِصِلَةٍ لآدم وَلاَ صِفَةٍ ؛ لأن الصِّلَةَ للمبهمات ، والصفة للنَّكِرِاتِ ، ولكنه خبر مُسْتَأنَف على وجه التفسِيرِ لحال آدمَ عليه السلام.
وعلى قول الزجّاج: { مِن تُرَابٍ } فيه وجهان:
أظهرهما: أنه متعلق بـ"خَلَقَهُ"أي: ابتدأ خلقه من هذا الجنس.
الثاني: أنه حال من مفعول"خلقه"تقديره: خلقه كائنًا من تراب ، وهذا لا يساعده المعنى.
وَالْمَثَلُ هاهنا منهم من فسَّره بمعنى الحال والشأن.
قال الزَّمَخْشَريُّ:"إن شأن عيسى وحاله الغريبة كشأن آدمَ". وعلى هذا التفسير فالكاف على بابها - من كونها حرف تشبيه - وفسَّر بعضُهم المثل بمعنى الصفة ، كقوله: { مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون } [ الرعد: 35 ] ، أي: صفة الجنة.
قال ابنُ عَطِيَّة: وهذا عندي خطأٌ وضَعْفٌ في فَهْمِ الكلام ، وإنما المعنى: أن المثل الذي تتصوره النفوس والعقول من عيسى هو كالمُتَصَوَّر من آدمَ ؛ إذ النّاس كلهم مُجْمِعُون على أن الله - تعالى - خلقه من تراب ، من غير فحل ، وكذلك قوله: { مَّثَلُ الْجَنَّةِ } عبارة عن المُتَصَوَّر منها. والكاف في"كَمَثَلِ"اسم على ما ذكرناه من المعنى.