وأما قوله:"وأحل فيك"لم يرد سبحانه بهذا حلول ذاته التي لا تسعها السموات والأرض في بيت المقدس ، وكيف تحل ذاته في مكان يكون فيه مقهوراً مغلوباً مع شرار الخلق ؟ ! ، كيف وقد قال:"ويعرفون أني أنا الله القوي الساكن فيك"؟ ! ، أفترى عرفوا قوته بالقبض عليه ، وشد يديه بالحبال ، وربطه على خشبة الصليب ، ودق المسامير في يديه ورجليه ، ووضع تاج الشوك على رأسه ، وهو يستغيث ولا يغاث ، وما كان المسيح يدخل بيت المقدس إلا وهو مغلوب مقهور مستخف في غالب أحواله.
ولو صح مجيء هذه الألفاظ صحة لا تدفع ، وصحت ترجمتها كما ذكروه ؛ لكان معناها أن معرفة الله والإيمان به وذكره ودينه وشرعه حل في تلك البقعة ، وبيت المقدس لما ظهر فيه دين المسيح بعد رفعه حصل فيه من الإيمان بالله ومعرفته مالم يكن قبل ذلك.
وجماع الأمر: أن النبوات المتقدمة والكتب الإلهية لم تنطق بحرف واحد يقتضي أن يكون ابن البشر إلهاً تاماً إله حق من إله حق ، وأنه غير مصنوع ولا مربوب ، بل لم يخصه إلا بما خص به أخوه ، وأولى الناس به محمد بن عبد الله في قوله:"إنه عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه"، وكتب الأنبياء المتقدمة وسائر النبوات موافقة لما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك كله يصدق بعضه بعضاً ، وجميع ما تستدل به المثلثة عبّاد الصليب على إلهية المسيح من ألفاظ وكلمات في الكتب ، فإنها مشتركة بين المسيح وغيره كتسميته أباً وكلمة وروح حق وإلهاً ، وكذلك ما أطلق من حلول روح القدس فيه وظهور الرب فيه أو في مكانه. أ هـ {هداية الحيارى صـ 217 ـ 238}
تم الجزء الثالث عشر من كتاب {جامع لطائف التفسير} ولله الحمد والمنة
ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الرابع عشر وأوله قوله تعالى
{ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) }