فهرس الكتاب

الصفحة 6284 من 12199

وقال ابن عاشور:

وقوله: {فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون} نهاية لتسجيل كذبهم أي من استمرّ على الكذب على الله ، أي فمن افترى منكم بعد أن جعلنا التَّوراة فيصلاً بيننا ، إذ لم يبق لهم ما يستطيعون أن يدّعُوه شُبهة لهم في الاختلاق ، وجُعل الافتراء على الله لتعلّقه بدين الله.

والفاء للتفريع على الأمْر.

والافتراء: الكذب ، وهو مرادف الاختلاق.

والافتراء مأخوذ من الفَرْي ، وهو قطع الجلد قِطعاً ليُصلح به مثل أن يحْذى النعل ويصنع النطع أو القِربة.

وافترى افتعال من فرى لعلّهُ لإفادة المبالغة في الفَرْي ، يقال: افترى الجلد كأنَّه اشتدّ في تقطيعه أو قطعَه تقطيع إفساد ، وهو أكثر إطلاق افترى.

فأطلقوا على الإخبار عن شيء بأنّه وقَعَ ولَم يقع اسم الافتراء بمعنى الكذب ، كأنّ أصله كناية عن الكذب وتلميح ، وشاع ذلك حتَّى صار مرادفاً للكذب ، ونظيره إطلاق اسم الاختلاق على الكذب ، فالافتراء مرادف للكذب ، وإردَافه بقوله هنا:"الكذب"تأكيد للافتراء ، وتكرّرت نظائر هذا الإرداف في آيات كثيرة.

فانتصب"الكذب"على المفعول المطلق الموكِّد لفعله.

واللام في الكذب لتعريف الجنس فهو كقوله: {أفْتَرَى على اللَّه كَذِباً أمْ به جِنّة} [ سبأ: 8 ]

والكذب: الخبر المخالف لما هو حاصل في نفس الأمر من غير نظر إلى كون الخَبر موافقاً لاعتقاد المُخبر أو هو على خلاف ما يعتقده ، ولكنّه إذا اجتمع في الخبر المخالفة للواقع والمخالفة لاعتقاد المخبِر كان ذلك مذموماً ومسبَّة ؛ وإن كان معتقداً وقوعه لشبهة أو سوء تأمّل فهو مذموم ولكنّه لا يُحقَّر المخبر به ، والأكثر في كلام العرب أن يعنى بالكذب ما هو مذموم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت