قوله: { مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } متعلق بـ"بَدَتْ"و"مِنْ"لابتداء الغاية ، وجوَّز ابو البقاء أن يكون حالاً ، أي: خارجة من أفواههم ، والأفواه: جمع فَم ، وأصله فوه ، فلامه هاء ، يدل على ذلك جمعه على أفواه ، وتصغيره على"فُوَيْه"، والنسب إليه على فوهي ، وهل وزنه فَعْل - بسكون العين- أو"فَعَل"- بفتح العين- ؟ خلاف للنحويين ، ثم حذفوا لامه تخفيفاً ، فبقي آخرهُ حرف علة ، فأبدلوه ميماً ؛ لقُرْبهِ منها ؛ لأنهما من الشفة ، وفي الميم هُوِيٌّ في الفم يضارع المد الذي في الواو.
وهذا كله إذا أفردوه عن الإضافة ، فإن أضافوه لَمْ يُبْدلوا حرفَ العلة.
كقوله: [ البسيط ]
فَوهٌ كَشقِّ الْعَصَا لأْياً تُبَيِّنُهُ... أسَكُّ مَا يَسْمَعُ الأصْوَاَ مَضلُومُ
عكس الأمر في الطرفين ، فأتى بالميم في حال الإضافة ، وبحرف العلة في القطع عنها. فمن الأول قوله: [ الرجز ]
يُصْبِحُ ظَمْآنَ وَفِي الْبَحْرِ فَمُهُ... وخصَّه الفارسيُّ وجماعة بالضرورة ، وغيرهم جوَّزه سعة ، وجعل منه قوله:"لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك".
ومن الثاني قوله: [ الرجز ]
خَالَطَ مِنْ سَلْمَى خَيَاشِيمَ وَفَا... أي: وفاها ، وإنما جاز ذلك ؛ لأن الإضافة كالمنطوق بها.
وقالت العرب: رجل مفوَّه - إذا كان يجيد القولَ - وأَفْوَه: إذا كان واسعَ الفم.
قال لبيد: [ الوافر ]
.وَمَا فَاهُوا بِهِ أبَداً مُقِيمُ
وفي الفم تسع لغات ، وله أربع مواد: ف م ه. ف م و. ف م ي. ف م م ؛ بدليل أفواه ، وفموين ، وفميين ، وأفمام.