قال القرطبى:
قال علماؤنا: الباعث على التّوبة وحلّ الإصرار إدامةُ الفكر في كتاب الله العزيز الغفّار ، وما ذكره الله سبحانه من تفاصيل الجنة ووعد به المطِيعين ، وما وصفه من عذاب النار وتهدّد به العاصِين ، ودام على ذلك حتى قوِي خوفه ورجاؤه فدعا الله رَغَبا ورَهَبا ؛ والرّغْبَة والرّهبة ثمرة الخوف والرجاء ، يخاف من العِقاب ويرجو الثواب ، والله الموفق للصواب.
وقد قيل: إن الباعث على ذلك تنبيه إلهِيٌّ ينَبّه به من أراد سعادته ؛ لِقبح الذنوب وضررها إذ هي سُموم مهلكة.
قلت: وهذا خلاف في اللفظ لا في المعنى ، فإن الإنسان لا يتفكر في وعد الله ووعِيده إلا بتَنْبيهه ؛ فإذا نظر العبد بتوفيق الله تعالى إلى نفسه فوجدها مشْحُونة بذنوبٍ اكتسبها وسيئات اقترفها ، وانبعث منه الندمُ على ما فرّط ، وترك مثلَ ما سبق مخافةَ عقوبة الله تعالى صَدَق عليه أنه تائب ، فإن لم يكن كذلك كان مِصرّاً على المعصية وملازِماً لأسباب الهلكة.
قال سهل بن عبد الله: علامة التائب أن يشغله الذنب على الطعام والشراب: كالثلاثة الذين خُلِّفوا. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 4 صـ 211 ـ 212}
قال القرطبى:
في قوله تعالى: { وَلَمْ يُصِرُّواْ } حُجَّةٌ واضحة ودلالة قاطعة لما قاله سيف السنة ، ولسان الأمة القاضي أبو بكر بن الطيب: أن الإنسان يؤاخذ بما وطَّنَ عليه بضميره ، وعزم عليه بقلبه من المعصية.
قلت: وفي التنزيل { وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } وقال { فَأَصْبَحَتْ كالصريم } .
فعوقبوا قبل فعلهم بعزمهم وسيأتي بيانه.
وفي البخاري.