فهرس الكتاب

الصفحة 7454 من 12199

والإشارة الثانية أنه قال:"وشاورهم في الأمر"آل عمران: 159.

فإذا قيل لنا: كيف يشاورهم وهو نبيهم وإمامهم، وواجب عليهم مشاورته وأن لا يفصلوا أمراً دونه؟ قلنا: هذا أدب أدب الله به نبيه عليه السلام، وجعله مأدبة لسائر الملوك والأمراء والسلاطين.

لما علم الله تعالى ما في المشاورة من حسن الأدب مع الجليس ومساهمته في الأمور، فإن نفوس الجلساء والنصحاء والوزراء تصلح عليه وتميل إليه وتخضع عنوة بين يديه، شرعه لنبيه صلى الله عليه وسلم ولذي الإمرة من أهل ملته. ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة، فأمرهم بالنزول فقال له سعد: يا رسول الله إن كان هذا بأمرك فسمعاً وطاعة، وإن يكن غير ذلك فليس بمنزل. فسمع منه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ارتحلوا! ومن أقبح ما يوصف به الرجال، ملوكاً كانوا أو سوقة، الاستبداد بالرأي وترك المشاورة، وسنعقد للمشاورة باباً إن شاء الله تعالى.

والخصلة الثالثة ما روى البخاري ومسلم أن رجلاً قال: يا رسول الله استعملني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نستعمل على عملنا من أراده.

والسر فيه أن الولايات أمانات وتصريف في أرواح الخلائق وأموالهم، والتسرع إلى الأمانة دليل على الخيانة، وإنما يخطبها من يريد أكلها، فإذا أؤتمن خائن على موضع الأمانات كان كمن استرعى الذئب على الغنم. ومن هذه الخصلة تفسد قلوب الرعايا على ملوكها، لأنه إذا اهتضمت حقوقهم وأكلت أموالهم فسدت نياتهم، وأطلقوا ألسنتهم بالدعاء والتشكي، وذكروا سائر الملوك بالعدل والإحسان فكانوا كالبيت السائر الذي أنشدناه أولاً.

وراعي الشاء يحمي الذئب عنها ... فكيف إذا الذئاب لها رعاء؟

وإذا خان أهل الأمانات وفسد أهل الولايات، كان الأمر كما قال الأول:

بالملح يصلح ما يخشى تغيره ... فكيف بالملح أن حلت به الغير؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت