ويعني بالاعتراض أنها جيء بها بين قوله: { عَمَلَ عَامِلٍ } وبين ما فُصِّل به عملُ العاملِ من قوله: { فالذين هَاجَرُواْ } ولذا قال الزمخشريُّ: { فالذين هَاجَرُواْ } تفصيل لعمل العاملِ منهم على سبيل التعظيمِ لَهُ.
الثاني: أنَّ هذه الجملَة صِفَةٌ.
الثالث: أنَّها حالٌ ، ذكرهما أبو البقاءِ ، ولم يُعيِّن الموصوف ولا ذا الحال ، وفيه نظرٌ.
قال الكلبي:"بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ"في الدين والنصرة والموالاة.
وقيل: كلكم من آدم وحوَّاء ، وقال الضّحّاك: [ رجالكم ] شكب نسائكم ، ونساؤكم شكل رجالِكم في الطاعات ؛ لقوله: { والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ } [ التوبة: 71 ] .
وقيل:"مِنْ"بمعنى اللامِ ، أي: بعضكم لبعض ومثل بعض في الثّواب على الطاعة والعقاب على المعصية.
قال القفَّالُ: هذا من قولكم: فرن مني ، أي: عَلَى خلقي وسيرتي. قال تعالى: { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي } [ البقرة: 249 ] وقال عليه السَّلامُ:"مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا"فقوله: { بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ } أي: بعضكم شبه بعض في استحقاق الثوابِ على الطَّاعة والعقاب على المعصية.
قوله: { فالذين هَاجَرُواْ } مبتدأ ، وقوله: { لأُكَفِّرَنَّ } جواب قسم محذوف ، تقديره: والله لأكَفِّرَنَّ ، وهذا القسم وجوابه خبر لهذا المبتدأ. وفي هذه الآية ونظائرها من قوله تعالى: { والذين جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [ العنكبوت: 69 ] وقولِ الشاعر: [ الكامل ]
جَشَأتْ فَقُلْتُ اللَّذْ جَشَأتِ لَيَأتِيَنْ... وَإذَا أتَاكِ فَلاَتَ حِينَ مَنَاصِ
رَدٌّ على ثعلبٍ ؛ حيث زعم أن الجملةَ القسميةَ لا تقع خبراً ، وله أن يقول: هذه معمولة لقول مُضْمَر هو الخبرُ - وله نظائر.