فهرس الكتاب

الصفحة 8159 من 12199

قال القرطبى:

قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اصبروا } الآية.

ختم تعالى السورة بما تضمنته هذه الآية العاشرة من الوصاة التي جمعت الظهور في الدنيا على الأعداء والفوز بنعيم الآخرة ؛ فحضّ على الصبر على الطاعات وعن الشهوات ، والصبر الحبس ، وقد تقدّم في"البقرة"بيانه.

وأمر بالمصابرة فقيل: معناه مصابرة الأعداء ؛ قاله زيد بن أسلم.

وقال الحسن: على الصلوات الخمس.

وقيل: إدامة مخالفة النفس عن شهواتها فهي تدعو وهو يَنْزَع.

وقال عطاء والقرظي: صابروا الوَعْد الذي وُعِدتم.

أي لا تيأسوا وانتظروا الفرج ؛ قال صلى الله عليه وسلم:"انتظار الفرج بالصبر عبادة"واختار هذا القول أبو عمر رحمه الله.

والأوّل قول الجمهور ؛ ومنه قول عنترة:

فلم أرَ حَيّاً صابروا مثل صبرِنا . . .

ولا كافَحُوا مثلَ الَّذِينَ نُكَافِحُ

فقوله:"صابروا مثل صبرنا"أي صابرون العدوّ في الحرب ولم يبدُ منهم جُبْن ولا خَوَر.

والمكافحة: المواجهة والمقابلة في الحرب ؛ ولذلك اختلفوا في معنى قوله { وَرَابِطُواْ } فقال جمهور الأمة: رَابِطُوا أعداءكم بالخيل ، أي ارتبطواها كما يرتبطها أعداءكم ؛ ومنه قوله تعالى: { وَمِن رِّبَاطِ الخيل } .

وفي الموطأ عن مالك عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة بن الجرّاح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعاً من الروم وما يتخَوّف منهم ؛ فكتب إليه عمر: أما بعد ، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من مُنَزّلِ شدّةٍ يجعل الله له بعدها فَرَجاً ، وإنه لن يغلِب عسر يُسرين ، وإنّ الله تعالى يقول في كتابه { يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت