فهرس الكتاب

الصفحة 8187 من 12199

في الطبيعة الراجعة إلى الدوام والثبات أيضا إنما هي صفة الخارج الواقع وقوعا دائميا أو أكثريا دون العلم والادراك وبعبارة أخرى هي صفة الأمر المعلوم لا صفة العلم فالوقوع الدائمي والاكثري أيضا بوجه من الحق وأما آراء الاكثرين وأنظارهم واعتقاداتهم في مقابل الاقلين فليست بحق دائما بل ربما كانت حقا إذا طابقت الواقع وربما لم تكن إذا لم تطابق وحينئذ فلا ينبغي أن يخضع لها الإنسان ولا أنه يخضع لها لو تنبه للواقع فإنك إذا أيقنت بأمر ثم خالفك جميع الناس فيه لم تخضع بالطبع لنظرهم وإن اتبعتهم فيه ظاهرا فإنما تتبعهم لخوف أو حياء أو عامل آخر لا لأنه حق واجب الاتباع في نفسه ومن أحسن البيان في أن رأي الأكثر ونظرهم لا يجب أن يكون حقا واجب الاتباع قوله تعالى { بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون: المؤمنون - 70 } فلو كان كل ما يراه الأكثر حقا لم يمكن أن يكرهوا الحق ويعارضوه.

وبهذا البيان يظهر فساد بناء اتباع الأكثرية على سنة الطبيعة فإن هذه السنة جارية في الخارج الذي يتعلق به العلم دون نفس العلم والفكر والذي يتبعه الإنسان من هذه السنة في إرادته وحركاته إنما هو ما في الخارج من أكثرية الوقوع لا ما اعتقده الأكثرون أعني أنه يبني أفعاله وأعماله على الصلاح الأكثري وعليه جرى القرآن في حكم تشريعاته ومصالحها قال تعالى {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون: المائدة - 6 } وقال تعالى { كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون: البقرة - 183 } إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على ملاكات غالبية الوقوع للأحكام المشرعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت