قال ابن عاشور:
وعدل عن تعدية { ارزقوهم واكسوهم } بـ ( مِن ) إلى تعديتها بـ ( في ) الدالّة على الظرفية المجازية ، على طريقة الاستعمال في أمثاله ، حين لا يقصد التبعيض الموهم للإنقاص من ذات الشيء ، بل يراد أنّ في جملة الشيء ما يحصل به الفعل: تارة من عينه ، وتارة من ثمنه ، وتارة من نتاجه ، وأنّ ذلك يحصل مكرّراً مستمرّاً.
وانظر ذلك في قول سَبرة بن عمرو الفَقْعسي:
نُحابِي بها أكفاءنَا ونُهيِنَها...
ونَشْرَب في أثْمَانِها ونُقامِر
يريد الإبل التي سيقت إليهم في دية قتيل منهم ، أي نشرب بأثمانها ونقامر ، فإمّا شربنا بجميعها أو ببعضها أو نسترجع منها في القمار ، وهذا معنى بديع في الاستعمال لم يسبق إليه المفسّرون هنا ، فأهمل معظمهم التنبيه على وجه العدول إلى ( في ) ، واهتدى إليه صاحب"الكشاف"بعض الاهتداء فقال: أي اجعلوها مكاناً لرزقهم بأن تتّجروا فيها وتتربَّحوا حتّى تكون نفقتهم من الربح لا من صلب المال.
فقوله:"لا من صلب المال"مستدرك ، ولو كان كما قال لاقتضى نهياً عن الإنفاق من صلب المال.