قال الزمخشريُّ ، بعد أن حَكَى في معانيها أقوالاً اختار منها الأوَّلَ: لأنَّ هذه الجملةَ اعتراضيّة ، ومن حقِّ الاعتراض أن يؤكِّد ما اعْتَرَضَ بينه وبين ما يناسِبُه.
يعني بالاعتراض: أنَّهَا واقعةٌ بين قصة المواريث ، إلاَّ أنَّ هذا الاعتراض غيرُ مرادِ النحويين ، لأنَّهُمْ لا يَعْنُون بالاعتراضِ في اصْطِلاحِهِمْ إلاَّ ما كان بين شيئين مُتَلاَزِمَيْنِ كالاعتراض بين المبتدأ وخبره ، والشرط وجزائه والقَسَمِ وجوابه ، والصِّلَةِ وموصولها.
قوله: { نَفْعاً } نُصِبَ على التَّمييز من"أقرب"، وهو منقول من الفاعلية ، واجب النَّصب ؛ لأنَّهُ متى وقع تمييزٌ بَعْدَ"أفْعَلِ"التفضيل ، فَإن صَحَّ أنْ يُصَاغَ منها مُسْندٌ إلى ذلك التمييز على جهةِ الفاعليَّة وجل النَّصب كهذه الآية ، إذْ يَصِحُّ أن يُقَالَ: أيُّهم أقْرَبُ لكم نَفْعُهُ ، وإن لم يَصحّ ذلك وجب جَرُّه نحو:"زيد أحسن فقيه"بخلاف"زيد أحسن فقهاً"، وهذه قاعدة مفيدة و"لكم"متعلق بـ"أقرب".
قوله: { فَرِيضَةً } فيها ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنَّها مصدرٌ مؤكد لمضمون الجملة السَّابقة من الوصية ؛ لأن معنى"يوصيكم": فَرَضَ عليكم ذلك ، فصار المعنى:"يوصيكم الله وصية فرض"، فهو مصدر على غير الصَّدْرِ.
والثاني: أنَّها مصدر [ منصوبٌ بفعل ] محذوف من لفظها.
قال أبو البَقَاء: و { فَرِيضَةً } مصدر لفعل محذوف ، أي: فرض اللهُ ذلك فريضة.
والثالث: قاله مَكيٌّ وغيره: أنَّهَا حال ؛ لأنَّها ليست مصدراً ، وكلامُ الزمخشريُّ محتمل للوجهين الأوَّلَيْن ، فإنَّهُ قال:"فريضة"نصبت نَصْبَ المصدر المؤكد ، أي:"فرض الله ذلك فرضاً". ثم قال:"إن الله كان عليماً"أي: بأمور العباد"حكيما"بنصب الأحكام.
فإن قيل: لِمَ قال كان عليماً حكيماً مع أنَّهُ لم يزل كذلك ؟ .
فالجوابُ قال الخليلُ: الخبرُ عن الله تعالى بهذه الألفاظ ، كالخبر بالحال والاستقبال ؛ لأنَّهُ تعالى مُنَزَّهٌ عن الدخول تحت الزمان.
قال سيبويه: القومُ لما شاهدوا علماً وحكمةً وفضلاً وإحساناً تعجبوا ، فقيل لهم: إنَّ اللهَ كذلك ، ولم يزل موصوفاً بهذه الصفات. أ هـ {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 208 ـ 222} . بتصرف.