اعلم أن كلمة {إِنَّمَا} على وجهين أحدهما: أن تكون حرفًا واحدًا ، كقولك: إنما داري دارك ، وإنما مالي مالك الثاني: أن تكون (ما) منفصلة من: إن ، وتكون (ما) بمعنى الذي ، كقولك: إن ما أخذت مالك ، وإن ما ركبت دابتك ، وجاء في التنزيل على الوجهين ، أما على الأول فقوله: {إِنَّمَا الله إله واحد وَإِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ} [هود: 12] وأما على الثاني فقوله: {إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ} [طه: 69] ولو نصبت كيد ساحر على أن تجعل {إِنَّمَا} حرفًا واحدًا كان صوابًا ، وقوله: {إِنَّمَا اتخذتم مّن دُونِ الله أوثانا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ} [العنكبوت: 25] تنصب المودة وترفع على هذين الوجهين ، واختلفوا في حكمها على الوجه الأول ، فمنهم من قال {إِنَّمَا} تفيد الحصر واحتجو عليه بالقرآن والشعر والقياس ، أما القرآن فقوله تعالى: {إِنَّمَا الله إله واحد} [النساء: 171] أي ما هو إلا إله واحد ، وقال: {إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاءِ والمساكين} [التوبة: 60] أي لهم لا لغيرهم وقال تعالى لمحمد: {قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} [الكهف: 110] أي ما أنا إلا بشر مثلكم ، وكذا هذه الآية فإنه تعالى قال في آية أخرى {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ} [الأنعام: 145] فصارت الآيتان واحدة فقوله: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ} في هذه الآية مفسر لقوله: {قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا} إلا كذا في تلك الآية ، وأما الشعر فقوله الأعشى:
ولست بالأكثر منهم حصى.. وإنما العزة للكاثر
وقول الفرزق:
أنا الذائد الحامي الذمار وإنما.. يدافع عن أحسابه أنا أو مثلى