فهرس الكتاب

الصفحة 1532 من 12199

من الناس من قال: هذه الآية منسوخة ، وذلك لأن هذه الآية دلت على أن الله تعالى أوجب قتال المقاتلين ، ونهى عن قتال غير المقاتلين ، بدليل أنه قال: {وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله الذين يقاتلونكم} ثم بعده: ولا تعتدوا هذا القدر ، ولا تقاتلوا من لا يقاتلكم فثبت أن هذه الآية مانعة من قتال غير المقاتلين ، ثم قال تعالى بعد ذلك: {واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [البقرة: 191] فاقتضي هذا حصول الأول في قتال من لم يقاتل ، فدل على أن هذه الآية منسوخة ، ولقائل أن يقول: نسلم أن هذه الآية دالة على الأمر بقتال من لم يقاتلنا ، لكن هذا الحكم ما صار منسوخًا.

أما قوله: إنها دالة على المنع من قتال من لم يقاتلنا ، فهذا غير مسلم ، وأما قوله تعالى: {وَلاَ تَعْتَدُواْ} فهذا يحتمل وجوها أخر سوى ما ذكرتم ، منها أن يكون المعنى: ولا تبدؤا في الحرم بقتال ، ومنها أن يكون المراد: ولا تعتدوا بقتال من نهيتم عن قتاله من الذين بينكم وبينهم عهد ، أو بالحيلة أو بالمفاجأة من غير تقديم دعوة ، أو بقتل النساء والصبيان والشيخ الفاني ، وعلى جميع هذه التقديرات لا تكون الآية منسوخة.

فإن قيل: هب أنه لا نسخ في الآية ، ولكن ما السبب في أن الله تعالى أمر أولا بقتال من يقاتل ، ثم في آخر الأمر أذن في قتالهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا.

قلنا: لأن في أول الأمر كان المسلمون قليلين ، فكان الصلاح استعمال الرفق واللين والمجاملة ، فلما قوي الإسلام وكثر الجمع ، وأقام من أقام منهم على الشرك ، بعد ظهور المعجزات وتكررها عليهم حالا بعد حال ، حصل اليأس من إسلامهم ، فلا جرم أمر الله تعالى بقتالهم على الإطلاق. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 110}

قال القرطبى:

قوله تعالى: {وَلاَ تعتدوا} قيل في تأويله ما قدّمناه (1)

(1) تقدمت الإشارة إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت