واعلم أنه على جميع الوجوه فالمراد بيان أن ذلك الفساد فساد عظيم لا أعظم منه لأن المراد منها على التفسير الأول.
إهلاك النبات والحيوان ، وعلى التفسير الثاني: إهلاك الحيوان بأصله وفرعه ، وعلى الوجهين فلا فساد أعظم منه ، فإذن قوله: {وَيُهْلِكَ الحرث والنسل} من الألفاظ الفصيحة جدًا الدالة مع اختصارها على المبالغة الكثيرة ونظيره في الاختصار ما قاله في صفة الجنة {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين} {الزخرف: 71 ] وقال: أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا ومرعاها} النازعات: 31 ].
فإن قيل: أفتدل الآية على أنه يهلك الحرث والنسل ، أو تدل على أنه أراد ذلك ؟ .
قلنا: إن قوله: {سعى فِى الأرض لِيُفْسِدَ فِيهَا} دل على أن غرضه أن يسعى في ذلك ، ثم قوله: {وَيُهْلِكَ الحرث والنسل} إن عطفناه على الأول لم تدل الآية على وقوع ذلك ، فإن تقدير الآية هكذا: سعى في الأرض ليفسد فيها ، وسعى ليهلك الحرث والنسل ، وإن جعلناه كلامًا مبتدأ منقطعًا عن الأول ، دل على وقوع ذلك ، والأول أولى ، وإن كانت الأخبار المذكورة في سبب نزول الآية دلت على أن هذه الأشياء قد وقعت ودخلت في الوجود. أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 172}
قال ابن عاشور:
وقوله: {في الأرض} تأكيد لمدلول {سعى} لرفع توهم المجاز من أن يراد بالسعي العمل والاكتساب فأريد التنصيص على أن هذا السعي هو السير في الأرض للفساد وهو الغارة والتلصص لغير إعلاء كلمة الله ، ولذلك قال بعده {ليفسد فيها} فاللام للتعليل ، لأن الإفساد مقصود لهذا الساعي.