بها عن دينهم فيتزين في أعينهم ما هم فيه من الكفر والظلم وقال: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيّكُمُ المفتون} القلم: 5 ، 6 ] قيل: المفتون المجنون ، والجنون فتنة ، إذ هو محنة وعدول عن سبيل أهل السلامة في العقول.
فثبت بهذه الآيات أن الفتنة هي الامتحان ، وإنما قلنا: إن الفتنة أكبر من القتل لأن الفتنة عن الدين تفضي إلى القتل الكثير في الدنيا ، وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة ، فصح أن الفتنة أكبر من القتل فضلًا عن ذلك القتل الذي وقع السؤال عنه وهو قتل ابن الحضرمي.
أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 30}
قال ابن القيم:
أكثرُ السَلَف فسَّروا الفتنة ههنا بالشرك ، كقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193] ويدل عليه قوله: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلا أنْ قَالُواْ وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] أى: لم يكن مآلُ شركهم ، وعاقبته وآخرُ أمرهم ، إلا أن تبرّؤوا منه وأنكروه.
وحقيقتها: أنها الشرك الذى يدعو صاحبُه إليه ، ويُقاتِل عليه ، ويُعاقب مَن لم يَفَتِتنْ به ، ولهذا يُقال لهم وقتَ عذابهم بالنار وفتنتهم بها: {ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ} [الذاريات: 14] قال ابن عباس:"تكذيبَكم"، وحقيقته: ذوقوا نهاية فتنتكم ، وغايَتَها ، ومصيرَ أمرها ، كقولهِ: {ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} [الزمر: 24] ، وكما فتنوا عباده على الشرك ، فُتِنُوا على النار ، وقيل لهم: ذوقوا فتنتكم ، ومنه قوله تعالى: {إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ} [البروج: 10] فُسِّرت الفتنةُ ههنا بتعذيبهم المؤمنين ، وإحراقهم إياهم بالنار ، واللَّفظُ أعمُّ من ذلك ، وحقيقته: عذَّبُوا المؤمنين ليفتَتِنُوا عن دينهم ، فهذه الفتنةُ المضافةُ إلى المشركين.