فهرس الكتاب

الصفحة 3056 من 12199

وبين أن الغَرْفة كافَّةٌ ضررَ العطش عند الحَزَمة الصابرين على شَظَف العيْش الذين هَمُّهم في غير الرفاهية ، كما قال عروة:

وأحْسُوا قَرَاح الماءِ والماءُ باردُ . . .

قلت: ومن هذا المعنى قوله عليه السلام:"حسْب المرء لُقيْمات يُقِمن صلبه"وقال بعض من يتعاطى غوامض المعاني: هذه الآية مثلٌ ضربه الله للدنيا فشبهها الله بالنهر والشارب منه والمائل إليها والمستكثر منها ، والتارك لشربه بالمنحرف عنها والزاهِد فيها ، والمغترف بيده غرفة بالآخذ منها قدر الحاجة ، وأحوال الثلاثة عند الله مختلفة. (1)

قلت: ما أحسن هذا لولا ما فيه من التحريف في التأويل والخروج عن الظاهر ، لكن معناه صحيح من غير هذا. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 251}

وقال ابن عاشور:

تسمية هذا التكليف ابتلاء تقريب للمعنى إلى عقولهم لأن المقصود إظهار الاعتناء بهذا الحكم ، وأن فيه مرضاة الله تعالى على الممتثل ، وغضبه على العاصي ، وأمثال هذه التقريبات في مخاطبات العموم شائعة ، وأكثر كلام كتب بني إسرائيل من هذا القبيل.

والظاهر أن الملك لما علم أنه سائر بهم إلى عدو كثير العدد ، وقوي العهد أراد أن يختبر قوة يقينهم في نصرة الدين ، ومخاطرتهم بأنفسهم وتحملهم المتاعب وعزيمة معاكستهم نفوسهم فقال لهم إنكم ستمرون على نهر ، وهو نهر الأردن ، فلا تشربوا منه فمن شرب منه فليس مني ، ورخص لهم في غرفة يغترفها الواحد بيده يبل بها ريقه ، وهذا غاية ما يختبر به طاعة الجيش ، فإن السير في الحرب يعطش الجيش ، فإذا وردوا الماء توافرت دواعيهم إلى الشرب منه عطشًا وشهوة ، ويحتمل أنه أراد إبقاء نشاطهم: لأن المحارب إذا شرب ماء كثيرًا بعد التعب ، انحلت عراه ومال إلى الراحة ، وأثقله الماء.

والعرب تعرف ذلك قال طفيل يذكر خيلهم:

فلما شَارَفَتْ أَعلام طي...

وطيٌّ في المَغَار وفي الشعاب

(1) ذكر هذا الكلام الماوردى في النكت والعيون حـ 1 صـ 318

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت