فهرس الكتاب

الصفحة 3164 من 12199

وقال أبو هريرة: خير بني آدم نوح وإبراهيم وموسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ، وهم أولو العزم من الرسل ، وهذا نص من ابن عباس وأبي هريرة في التعيين ، ومعلوم أن من أُرسل أفضل ممن لم يُرسل ، فإنّ من أُرسل فُضِّل على غيره بالرسالة واستووا في النبوّة إلى ما يلقاه الرسل من تكذيب أُممهم وقتلهم إياهم ، وهذا مما لا خفاء فيه ، إلاَّ أن ابن عطية أبا محمد عبد الحق قال: إن القرآن يقتضي التفضيل ، وذلك في الجملة دون تعيين أحد مفضول ، وكذلك هي الأحاديث ؛ ولذلك قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"أنا أكرم ولد آدم على ربي"وقال:"أنا سيد ولد آدم"ولم يعيِّن ، وقال عليه السَّلام:"لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن مَتّى"وقال:"لا تفضِّلوني على موسى"وقال ابن عطية: وفي هذا نهي شديد عن تعيين المفضول ؛ لأن يونس عليه السَّلام كان شابًا وتفَسّخ تحت أعْبَاء النبوّة.

فإذا كان التوقيف لمحمد صلى الله عليه وسلم فغيره أحرى.

قلت: ما اخترناه أولى إن شاء الله تعالى ؛ فإن الله تعالى لما أخبر أنه فضل بعضهم على بعض جعل يُبيِّن بعض المتفاضلين ويذكر الأحوال التي فُضِّلوا بها فقال: { مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات } وقال: { وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا } [ الإسراء: 55 ] وقال تعالى: { وَآتَيْنَاهُ الإنجيل } [ المائدة: 46 ] ، { وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وَهَارُونَ الفرقان وَضِيَآءً وَذِكْرًا لَّلْمُتَّقِينَ }

[ الأنبياء: 48 ] وقال تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا } [ النمل: 15 ] وقال: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ } [ الأحزاب: 7 ] فعمّ ثم خصّ وبدأ بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا ظاهر.

قلت: وهكذا القول في الصحابة إن شاء الله تعالى ، اشتركوا في الصحبة ثم تباينوا في الفضائل بما منحهم الله من المواهب والوسائل ، فهم متفاضلون بتلك مع أن الكل شملتهم الصحبة والعدالة والثناء عليهم ، وحسبك بقوله الحق: { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار } [ الفتح: 29 ] إلى آخر السورة.

وقال: { وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى وكانوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا } [ الفتح: 26 ] ثم قال: { لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ } [ الحديد: 10 ] وقال: { لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة } [ الفتح: 18 ] فعمّ وخص ، ونفي عنهم الشين والنقص ، رضي الله عنهم أجمعين ونفعنا بحبهم آمين. أ هـ {تفسير القرطبى حـ 3 صـ 261 ـ 264}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت