أرى خليله عليه الصلاة والسلام كيف يدعو خلقه من أقطار آفاقه الأربعة بعد بددها واختلاطها والتئام أجزائها على غير حدها ،
يقال إن عليًا رضي الله تعالى عنه ضرب بيده على قدح من فخار فقال: كم فيه من خد أسيل وعين كحيل! {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} [ ق: 4 ] فأرى تعالى خليله عليه الصلاة والسلام مثلًا من جملة ذلك {قال فخذ} بالفاء تحقيقًا لمقاله وتصديقًا فيما تحقق من إيمانه وإبداء لاستحقاقه اليقين والطمأنينة بتقرر إيمانه {أربعة من الطير} هو اسم جمع من معنى ما منه الطيران وهو الخفة من ثقل ما ليس من شأنه أن يعلو في الهواء ،
جعل تعالى المثل من الطير لأن الأركان المجتمعة في الأبدان طوائر تطير إلى أوكارها ومراكزها التي حددها الله تعالى لها جعلًا فيها لا طبعًا واجبًا منها ،
فإن الله عزّ وجلّ هو الحكيم الذي جعل الحكمة ،
فمن أشهده الحكمة وأشهده أنه جاعلها فهو حكيمها ،
ومن أشهده الحكمة الدنياوية ولم يشهده أنه جاعلها فهو جاهلها ،
فالحكمة شهود الحكمة مجعولة من الله كل ماهية ممهاة ،
وكل معنوية ممعناة ،
وكل حقيقة محققة ،
فالطبع وما فيه جعل من الله ،
من جهله ألحد ومن تحققه وحد.
كذلك المعقول وما فيه إقباس من الله وإراءة من أمر الله ،
من تقيد به واعتقده لا ينفك نسبة الحد في الطبع واحتاج إلى ملجأ فتن التأويل في غيب الشرع ،
وكل ما سوى الحق موضوع معطي حظًا وحدًا ينال ما أعطى ويعجز عما فوقه ،
للعقول حد تقف عنده لا تتعداه ،
فلذلك جعلها تعالى طوائر يقهرها قفص الصورة وتمام التسوية ،
ويظهر تماسكها نفخ الروح انتهى.
وقوله سبحانه وتعالى ،
{فصرهن} أي اضممهن {إليك} أي لتعرف أشكالها فيكون ذلك أثبت في أمرها.
قال الحرالي: من الصور وهو استمالة القلوب بالإحسان حتى يشتد إلى المستميل صغوها وميلها ،