فهرس الكتاب

الصفحة 3429 من 12199

وإشعاره ينبىء والله سبحانه وتعالى أعلم أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام رباهن وغذاهن حتى عرفنه ليكون ذلك مثلًا لما لله سبحانه وتعالى في خلقه من تربيتهم بخلقهم ورزقهم حتى عرفوه بما احتاجوا إليه ،

فوجدوه معرفة عجز عنه لا معرفة نيل له ،

فمتى دعاهم من أقطار الآفاق أجابوه إجابة هذه الطوائر لخليله بحظ يسير من تربيته لهن ،

وإذا كانت هذه الأربع مجيبة للخليل عليه السلام بهذا الحظ اليسير من الصور والصغو فكيف تكون إجابة الجملة للجليل العزيز الحكيم! قال تعالى: {ثم اجعل} عطفًا بكلمة المهلة تجاوزًا بعد تربيتهن عن ذبحهن ودرسهن وخلطهن حتى صرن لحمة واحدة لا يبين في جملتها شيء من الصور الذاهبة ،

كما تصير المواليد ترابًا عند موتها وتبددها صورة واحدة ترابية ليتطابق المثل والممثول مطابقة تامة إلى ما وراء ذلك من مجاوزة عبرة وروية {على كل جبل} من الجبال القريبة إليك {منهن جزءًا} والجزء بعض من كل يشابهه كالقطعة من الذهب ونحوه ،

فجعل الجبال مثل الأقطار وهي لارتفاعها أمكن في الرؤية وأبعد من الاشتباه {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون} [ يس: 53 ] {فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة} [ النازعات: 13 ] فما كان بالصيحة والزجرة من الممثول كان بالدعاء في المثل ،

كما أن ما كان بالخلق والرزق في الممثول كان بالصور في المثل وجعله جزءًا حيث كان يشبه بعضه بعضًا {ثم ادعهن يأتينك سعيًا} والسعي هو العدو والقصد المسرع يكون في الحس ،

والمعنى في إتيان الطائر طائرًا حظ من مُنَّته وفي إتيانه سعيًا حظ من ذلته ،

فلذلك جلبهن عليه سعيًا بحال المتذلل الطالب للرزق والأمنة من اليد التي عهد منها الرزق والجنبة التي ألف منها الأمن فبدأ المثل مطابقًا للمثول وغايته مرأى عين ،

فصار موقنًا مطمئنًا وليس ذلك بأعجب من مشي الأحجار تارة والأشجار كرة وأغصانها أخرى إلى خدمة ولده المصطفى صلى الله عليه وسلم ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت